قصص الأجداد في قلب العالم الرقمي.. محفوظة آل عمر تعيد اكتشاف كنوز التراث الإماراتي
الإمارات اليوم -

في وقت تتسارع إيقاعات التجارب الرقمية، ويندفع كثير من صُنّاع المحتوى نحو الموضوعات الترفيهية الخفيفة، بحثاً عن الانتشار ومجاراة موجات «التريند»، اختارت صانعة المحتوى الإماراتية، محفوظة آل عمر، مساراً مختلفاً، جعلت فيه من قصص التراث والهوية الوطنية محوراً رئيساً لمشروعها الرقمي، لتعيد تقديم صفحات من تاريخ الأجداد بأسلوب تفاعلي حديث، يحوّل الذكريات والروايات القديمة إلى محتوى حي ينبض بالقصص والقِيَم الإنسانية.

ومن خلال البحث والتوثيق والاستماع إلى الروايات الشفوية، تعمل آل عمر على بناء جسر بين الماضي والحاضر، مقدمة للأجيال الجديدة صورة قريبة ومبسطة عن تفاصيل الحياة الإماراتية القديمة، وما حملته من قِيَم اجتماعية وثقافية شكّلت أساس المجتمع الإماراتي المعاصر.

وراء هذا المشروع الرقمي تقف رحلة شخصية ارتبطت بشغف الانتماء، وإحساس بالمسؤولية تجاه حفظ الذاكرة الوطنية، حيث ترى آل عمر أن التراث ليس مجرد أحداث من الماضي، بل حكايات وتجارب تحمل دروساً وقِيَماً لاتزال حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية.

شغف البدايات

في مستهل حديثها لـ«الإمارات اليوم» وصفت محفوظة آل عمر أسباب اختيارها لهذا المجال قائلة: «اخترت التراث والهوية الوطنية لأنني أؤمن بأن تراثنا أحد أهم الكنوز المحفوظة التي يجب علينا أن نحافظ عليها وننقلها إلى الأجيال القادمة، فهذا التراث يحمل قصص أجدادنا، وقِيَمهم، وطريقة حياتهم التي بني عليها مجتمعنا اليوم، وبالنسبة لي، المحتوى ليس فقط عن الماضي، بل هو جسر يربط بين الماضي والحاضر».

وأضافت: «ما جذبني للتراث هو جمال البساطة التي كانت موجودة في حياة الأجداد، في تفاصيلهم اليومية، وتعاونهم في ما بينهم وفي الأشياء الصغيرة التي كانت تحمل معاني كبيرة تستحق أن تروى بطريقة جديدة تصل إلى الجيل الحالي».

وتعكس تجربة آل عمر تحولاً لافتاً في طريقة تناول المحتوى التراثي، إذ لم تعد الحكاية القديمة مقتصرة على الكتب أو المجالس التقليدية، بل أصبحت تنتقل عبر المنصات الرقمية إلى جمهور جديد يبحث عن المعرفة بأساليب أكثر قرباً وتفاعلاً.

الدقة والمصداقية

تدرك آل عمر حجم المسؤولية المرتبطة بتقديم أي معلومة تاريخية، خصوصاً أن التراث يعتمد في جزء كبير منه على الروايات المتناقلة بين الأجيال، وما يجعل التحقق من التفاصيل خطوة أساسية قبل نشر أي محتوى.

وأوضحت: «أي محتوى أقدمه يبدأ بسؤال: هل هذه المعلومة صحيحة؟ لأن الثقة التي يمنحني إياها الجمهور مسؤولية كبيرة، لذلك أبدأ بالبحث في الكتب والمراجع الموثقة، وأطلع على الدراسات والمصادر الرسمية، ثم أستمع إلى روايات كبار السن، لأنهم يحملون تفاصيل قد لا نجدها مكتوبة».

وتابعت: «الاختلاف في الروايات أمر طبيعي، لأن جزءاً كبيراً من التراث انتقل إلينا بالرواية الشفوية، لذلك لا أعتبرها مشكلة، بل أرى أنها تُعدّ دليلاً على تنوع وثراء التراث الإماراتي، ليأتي دوري هنا في أن أوضح إذا كانت هناك أكثر من رواية، وأبيّن سبب الاختلاف إذا كان مرتبطاً بالمنطقة أو الفترة الزمنية، من دون أن أفرض رواية واحدة، لهذا السبب، يستغرق البحث وقتاً طويلاً، وقد يتطلب في بعض الموضوعات، الاستعانة بباحثين أو مختصين، للتأكد من التفاصيل، لأن هدفي ليس أن أكون الأسرع في النشر، بل أن أكون دقيقة وأمينة في نقل المعلومة، فالمصداقية بالنسبة لي أهم من سرعة النشر».

وكشفت هذه المنهجية عن جانب مهم في صناعة المحتوى التراثي الرقمي، إذ إن سرعة الانتشار لا يمكن أن تكون بديلاً عن الدقة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بذاكرة مجتمع وتاريخ أجيال متعاقبة.

جسر تواصُل بين الأجيال

وحول أسباب نجاحها في جعل الهوية الوطنية مادة فريدة وجاذبة للشباب، أكدت آل عمر لـ«الإمارات اليوم»: «أعتقد أن المشكلة ليست في التراث، بل في طريقة تقديمه، فعندما نقدمه على شكل معلومات جافة قد لا يجذب الشباب، لكن عندما نحوله إلى قصة، أو سؤال يثير الفضول أو حتى موقف عاشه الأجداد، يصبح قريباً من الناس، وهذا ما يزيد من حرصي الدائم على ربط الماضي بالحاضر، وتقديم المعلومة بلغة بسيطة وسريعة تناسب طبيعة المنصات، لأن الهوية ليست مادة مدرسية، بل قصة يعيشها الإنسان ويفتخر بها».

وتؤكد تجربتها أن التحدي الحقيقي أمام المحتوى التراثي اليوم لا يكمن في غياب القصص، بل في القدرة على إعادة صياغتها بطريقة تناسب أدوات العصر، وتحافظ في الوقت نفسه على روحها الأصلية.

وحول رسالتها من كل مقطع رقمي تقوم بنشره عبر حسابها الموثق، قالت: «أتمنى أن ينتهي كل شخص من مشاهدة أي فيديو وهو يشعر بالفخر باكتساب معلومة جديدة عن وطنه، ولأنني أؤمن أن صناعة المحتوى اليوم أصبحت من أهم وسائل حماية الهوية الوطنية، لأن الشباب يقضون جزءاً كبيراً من أوقاتهم على هذه المنصات، فإننا مطالبون بأن نقدم لهم محتوى يُعزّز انتماءهم، وإلا فسيتم ملء هذا الفراغ بمحتوى آخر قد لا يعكس ثقافتنا وهويتنا».

جيل المستقبل

وفي ختام حديثها، وجهت صانعة المحتوى الإماراتية رسالة إلى الشباب قائلة: «التطور لا يعني أن ننسى جذورنا، حيث يمكن للإنسان أن يواكب أحدث التقنيات ويتعلم كل ما هو جديد، ويعتز في الوقت نفسه بهويته وتراثه، لذلك لا تنظروا إلى التاريخ على أنه قصص قديمة انتهت، بل انظروا إليه على أنه أساس ما نعيشه اليوم».

وأضافت: «كل ما تنعم به دولة الإمارات اليوم، بُني بتعب وإصرار أجيال سبقتنا، ومن حقهم علينا أن نعرف قصتهم ونحفظها، لأن الهوية ليست شيئاً يتم فرضه علينا، بل هي شعور بالانتماء، وكلما عرفنا وطننا أكثر، أحببناه أكثر، واستطعنا أن نُمثّله بأفضل صورة أمام العالم».


تراث يحتاج إلى العودة للحياة

حول أهم جوانب التراث المحلي الثرية التي لم تحظَ باهتمام كافٍ إعلامياً، قالت محفوظة آل عمر: «إذا طُلب مني أن أختار جانباً واحداً، فسأختار الألعاب الشعبية الإماراتية، ولا أقصد هنا أنه لم يتم التعريف بها إعلامياً، لكنها لم تصل بالشكل الكافي إلى الأطفال كممارسة وتجربة يعيشونها، إذ إنها لم تكن مجرد وسيلة للترفيه، بل كانت تحمل قِيَماً مهمة، مثل التعاون والصبر»، وأضافت: «مع قرار تنظيم وصول الأطفال دون سن 15 إلى وسائل التواصل الاجتماعي اليوم، أرى أنها فرصة لإعادة إحياء هذه الألعاب وتقديمها بأسلوب يناسب الجيل الجديد، بحيث لا يكون الابتعاد عن الشاشات مجرد تقليل للاستخدام، بل يكون هناك بديل ممتع وهادف، فلا يكفي أن نُوثّق تراثنا، بل الأجمل أن نعيده إلى الحياة ليعيشه أطفالنا، ويصبح جزءاً من ذكرياتهم».

محفوظة آل عمر:

. اخترتُ التراث والهوية الوطنية لأنني أؤمن بأن تراثنا أحد أهم الكنوز المحفوظة التي يجب علينا أن نحافظ عليها وننقلها للأجيال المقبلة.

. الاختلاف في الروايات أمر طبيعي، لأن جزءاً كبيراً من التراث انتقل إلينا بالرواية الشفوية، وهذا يُعدّ دليلاً على تنوع وثراء التراث الإماراتي.

تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

Share
فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App


إقرأ المزيد