جريدة الرياض - 7/29/2026 4:39:08 PM - GMT (+2 )
أوضحت دراسات وبحوث علمية أن اللعب لا يقتصر على الترفيه، بل يصون صحة النفس، فهو يخفف التوتر، ويجدد قدرة المزاج على التوازن، ويمنح صاحبه مساحة يستعيد فيها خفته بعيداً عن ضغوط العمل وثقل المسؤوليات.
ويظن كثيرون أن اللعب سلوك يتعلمه الإنسان في طفولته ثم يستغني عنه عندما ينضج، لكن يدحض عالم الأعصاب الأميركي ياك بانكسيب هذه الفكرة في أبحاث مختبرية امتدت منذ سبعينيات القرن الماضي، ويثبت أن اللعب هو دائرة عصبية في أدمغة الثدييات كلها، تولد معها وتعمل قبل أي دوائر عصبية في الدماغ وتستمر طويلا.
يرصد بانكسيب صغار الفئران وهي تتصارع وتتطارد وتصدر أصواتاً فوق مدى السمع البشري تشبه الضحك، ويجد أن الفئران التي حُرمت من هذا اللعب في صغرها ظهرت عليها لاحقاً صعوبات في ضبط الانفعال والتعامل مع أقرانها، ويخلص إلى أن اللعب غذاء يحتاجه الدماغ لينضج عاطفياً، وليس نشاط فائض يزين الطفولة.
تاريخ اللعب أداة تشخيصويصل الطبيب النفسي الأميركي ستيوارت براون إلى الخلاصة ذاتها من طريق آخر، فقد شارك عام 1966 في دراسة عدد من مرتكبي جرائم العنف في ولاية تكساس، ولاحظ غياب اللعب الحر من طفولة معظمهم، ثم جمع خلال العقود التالية آلاف القصص الشخصية عن اللعب والطفولة، وحولها إلى أداة سريرية يسميها "تاريخ اللعب"، يستعيد بها الشخص ألعاب مراحل حياته كما يستعيد أمام الطبيب سجله المرضي، ويقرأ في الانقطاع الطويل عن اللعب إشارة تستحق الانتباه قبل أن تتحول شكوى.
أداة للصفاء الذهنيويفسر عالم النفس المجري الأميركي ميهاي تشيكسنتميهاي جانباً من أثر اللعب في النفس بمفهوم "التدفق"، وقد صاغه عام 1975 بعد مقابلات مع متسلقي جبال وعازفين ولاعبي شطرنج، ويقصد به حالة انغماس كامل في نشاط يحبه صاحبه، يغيب فيها الإحساس بالوقت، وتتراجع الهموم اليومية، ويخرج منها الإنسان أصفى ذهناً مما دخل.
ويجد الإنسان هذه الحالة في اللعب أكثر مما يجدها في سواه، لأنه يجمع شروط التدفق والصفاء الذهني كلها، فالهدف واضح، والقواعد معلومة، والنتيجة تظهر أمام اللاعب في لحظتها.
المشاهدة لا تشبه اللعبوتكشف هذه الشروط الفرق بين اللعب وما حل محله في أوقات الفراغ الحديثة، فمن يقضي مساءه يتنقل بين مقاطع الشاشة يمارس نشاط المشاهدة لا اللعب؛ حيث يغيب الهدف، وتغيب القاعدة، ولا تتقدم مهارة، فيخرج المتفرج بذهن مزدحم لا براحة بال.
ويلحظ الناس هذا الفرق بعادات الانفاق لديهم قبل أن تشرحه الدراسات، فيرصد معهد ماستركارد للاقتصاد نمو الإنفاق العالمي على التجارب واللعب بنسبة 65% بين عامي 2019 و2023، مقابل 12% فقط لمبيعات السلع، ويجد تقرير PlayNEXT الدولي عن مستقبل الوجهات القائمة على اللعب أن ثلثي الشباب بين 18 و35 عاماً يرون التجربة الحية أعمق إشباعاً من امتلاك الأشياء. ينقل البشر أموالهم من شراء الأشياء إلى شراء الحالات التي عرف بانكسيب وبراون وتشيكسنتميهاي حاجتهم إليها.
وتدرك الوجهات الترفيهية الكبرى هذا الفرق حين تصمم تجاربها، فالعائلة التي تقضي يومها في مكان بُني ليغيب خلف أسواره العالم الخارجي تشتري انقطاعاً كاملاً عن هموم يومها قبل أن تشتري تذكرة، ويتسع أثر المكان في زواره حين يبني تجارب يشاركون فيها بأيديهم وحواسهم، ويضيق حين يكتفي بعروض يتفرجون عليها من مقاعدهم.
تلتقي هذه الدراسات عند فكرة واحدة، فاللعب حاجة يومية للنفس كما الطعام والنوم للجسد، ويفقد الإنسان حين يهجر اللعب أداة يرمم بها مزاجه دون كلفة رغم أنها من أكثر الأدوات فاعلية في تعزيز الحالة النفسية.
إقرأ المزيد


