جريدة الرياض - 8/24/2026 1:19:17 AM - GMT (+2 )
في 9 مايو 1965 لم تكن «دنيا الرياضة» قد وُلدت بعد بالاسم الذي استقر عليه لاحقًا بل ظهرت أول صفحة رياضية في تاريخ «الرياض» تحت عنوان «الرياضة في أسبوع»، وكانت صفحة أسبوعية يشرف عليها محمد عبدالرحمن رمضان، فيما ارتبط اسم سليمان الحمد البريكان بأولى مهام التغطية الميدانية للمباريات. وفي ذلك الزمن كانت الرياضة السعودية لا تزال أقرب إلى حركة أهلية تتشكل حول الأندية والفرق المحلية، وكانت الصفحة الرياضية تقوم بوظيفة أساسية: إخبار القارئ بما حدث، وتعريفه باللاعبين والفرق، ومتابعة النشاط الرياضي الناشئ. ولعل أكثر ما يختصر تلك المرحلة خبر مباراة الوحدة والسلام الذي ظهر في الصفحة بعد 17 يومًا من إقامته في مثال يكشف طبيعة دورة المعلومات في ذلك الوقت، لم تكن المشكلة في رغبة الصحيفة في السبق وإنما في وسيلة نقل الخبر نفسها وفي الصفحة ذاتها تقريبًا كانت «الرياض» تتابع زيارة الفريق البرازيلي «بنسيسو» إلى الرياض حيث واجه النصر وفاز عليه 8-2، ثم الهلال 6-0، ثم الشباب 6-0 كانت تلك المباريات الودية الدولية حدثًا كبيرًا يستحق مساحة واسعة، وأصبحت إحدى أولى القصص الرياضية التي وثقتها الصحيفة بتفاصيلها. في ذلك الوقت كانت الرياضة السعودية نفسها في مرحلة بناء فالاتحاد السعودي لكرة القدم تأسس في 6 سبتمبر 1956، وبعد سنوات قليلة من ظهور «الرياض» بدأت كرة القدم السعودية تنتقل من نظام المناطق والبطولات المحلية المتفرقة إلى مسابقات أكثر انتظامًا. وفي 1975 أقيم الدوري التصنيفي بمشاركة 16 ناديًا قسمت إلى مجموعتين، قبل أن ينطلق الدوري الممتاز في 1976/1977 بنظام النقاط. ومن هنا بدأت المسابقة التي نعرفها اليوم بأسمائها المتعددة، من الدوري الممتاز إلى كأس دوري خادم الحرمين الشريفين والمربع الذهبي، ثم الدوري السعودي للمحترفين، وصولًا إلى دوري روشن. وبذلك بدأت صفحات «الرياض» لا تلاحق مباريات متفرقة فحسب، وإنما تؤرخ لتكوين نظام رياضي وطني. ومع تغير الرياضة تغيرت الصفحة نفسها. ففي عامها الأول تغير اسم الصفحة إلى «الرياضة»، ثم ظهر اسم «دنيا الرياضة» في النصف الثاني من عام 1386هـ، بحسب توثيق الزميل فهد الدوس لمسيرة القسم الرياضي. وكان عبدالرحمن السماري ثاني من تولى الإشراف، وظهر في عهده أول كاريكاتير رياضي للرسام علي الخرجي، قبل أن يتولى عبدالله بن أحمد المهمة، ويكتب عبدالرحمن بن سعيد إحدى الزوايا المبكرة تحت عنوان «أخطاء وإصلاح». ثم جاء تركي عبدالله السديري في مرحلة مبكرة من تاريخ القسم الرياضي، وتحديدًا في شوال 1387هـ، لتشهد «دنيا الرياضة» نقلة وصفها أرشيف الصحيفة بأنها مرحلة اكتسبت فيها الصفحة جرأة أكبر وشخصية أقوى في الطرح. وبعده تعاقب على القسم عدد كبير من الأسماء التي أصبحت جزءًا من تاريخ الإعلام الرياضي السعودي، من محمد الجحلان ومحمد الوعيل إلى عبدالله الضويحي وتركي الناصر السديري وسعود المصيبيح ومحمد العبدي ومحمد النوفل وغيرهم، حتى أصبحت «دنيا الرياضة» نفسها جزءًا من تاريخ الحركة الرياضية التي كانت تراقبها. وكان هذا التغير متزامنًا مع تحول أعمق في الملعب. ففي الثمانينيات لم تعد الرياضة السعودية مجرد نشاط محلي؛ المنتخب السعودي تأهل إلى أولمبياد لوس أنجليس 1984، وفي العام نفسه حقق أول ألقابه في كأس آسيا. ثم عاد وتوج باللقب القاري عام 1988، قبل أن يستعيده عام 1996. ويضع الاتحاد الآسيوي هذه المرحلة ضمن أبرز فترات الهيمنة السعودية على كرة القدم القارية، إذ حقق المنتخب ثلاثة ألقاب آسيوية في 1984 و1988 و1996، ووصل إلى النهائي أيضًا في 1992 و2000 و2007. وهنا بدأت أسماء اللاعبين السعوديين تتغير في الصحافة أيضًا. لم يعد اللاعب مجرد نجم في ناديه؛ صار جزءًا من مشروع رياضي وطني. ماجد عبدالله، ويوسف الثنيان، وصالح النعيمة، ومحمد عبدالجواد، وفؤاد أنور، وسعيد العويران، وسامي الجابر، ومحمد الدعيع، وغيرهم، تحولوا إلى أسماء ترتبط بإنجازات تتجاوز حدود الدوري المحلي. ثم جاءت الولايات المتحدة عام 1994 لتفتح صفحة مختلفة تمامًا. المنتخب السعودي وصل إلى كأس العالم للمرة الأولى، ولم يكتف بالمشاركة، بل بلغ دور الـ16 في أول ظهور له بالمونديال، وهو أفضل إنجاز سعودي في البطولة حتى اليوم. وتوثق FIFA أن نسخة 1994 شهدت أربع مشاركات سعودية لاحقة قبل أن يصل الأخضر إلى مونديال 2026، فيما بلغ مجموع مشاركاته سبع نسخ بعد تأهله إلى الولايات المتحدة وكندا والمكسيك. كانت تلك لحظة تغيّر فيها معنى الخبر الرياضي السعودي. فالهدف الذي كان يُقرأ في اليوم التالي أصبح حدثًا وطنيًا؛ واللاعب الذي كان يُعرف داخل مدينته أصبح معروفًا خارج القارة. وفي 1994 تحديدًا، لم يكن سعيد العويران مجرد مهاجم سجل هدفًا أمام بلجيكا؛ أصبح صاحب واحدة من أشهر اللحظات السعودية في تاريخ كأس العالم، وارتبط اسمه بمرحلة انتقلت فيها كرة القدم السعودية من الحضور القاري إلى الحضور العالمي. وفي الوقت الذي كانت فيه «الرياض» توثق هذا التحول، كانت الرياضة نفسها تعيد بناء مسابقاتها. الدوري السعودي انتقل في 1991 إلى نظام المربع الذهبي الذي استمر 17 عامًا، قبل أن يعود في 2008 إلى نظام النقاط ويتحول إلى الدوري السعودي للمحترفين. وفي 2010 أصبح «دوري زين»، ثم «دوري عبداللطيف جميل»، ثم «الدوري السعودي للمحترفين»، وبعدها «دوري كأس الأمير محمد بن سلمان للمحترفين»، قبل أن يستقر منذ 2022 على اسم «دوري روشن السعودي». كما ارتفع عدد الأندية من ثمانية في البداية إلى 18 ناديًا في 2023. وهنا يمكن قراءة جانب آخر من تاريخ «الرياض»: الخبر الرياضي نفسه أصبح أكثر تعقيدًا. لم تعد البطولة مجرد نتيجة وترتيب؛ ظهرت حقوق النقل، والرعاية، والاستثمار، والاحتراف، والقيمة السوقية، والتسويق، والبنية التحتية، وتحليل الأداء. وحتى دوري الدرجة الأولى، الذي تأسس عام 1976، تحول في 2021 إلى رابطة محترفة مستقلة، وأصبح جزءًا من منظومة كروية أكثر اتساعًا. ثم جاءت مرحلة الاحتراف الرياضي الشامل، التي نقلت النادي من مؤسسة رياضية تعتمد بصورة أساسية على الدعم إلى كيان له إدارة وحوكمة وحقوق تجارية. وفي 2023 أصبح هذا التحول أكثر وضوحًا مع مشروع الاستثمار والتخصيص للأندية؛ إذ نقلت ملكية أربعة أندية إلى شركات جديدة، وامتلك صندوق الاستثمارات العامة 75% من شركات أندية الهلال والنصر والأهلي والاتحاد، بينما احتفظت المؤسسات غير الربحية بـ25%. ولم تتوقف القصة عند الأندية الأربعة. ففي يوليو 2025 أعلنت وزارة الرياضة تخصيص أندية الأنصار والخلود والزلفي وانتقال ملكيتها إلى جهات استثمارية، في خطوة وسعت نطاق التجربة إلى أندية خارج دائرة الأسماء الكبرى. كما أعلنت الوزارة أن مشروع الاستثمار والتخصيص يستهدف رفع الاحترافية والحوكمة وتطوير تجربة المشجع وزيادة الإيرادات وفتح المجال أمام القطاع الخاص. وفي 2026 ظهر تطور أكثر دلالة: شركة المملكة القابضة وقعت اتفاقية للاستحواذ على 70% من شركة نادي الهلال، على أساس قيمة منشأة بلغت 1.4 مليار ريال لكامل رأس مال شركة النادي، مع استمرار صندوق الاستثمارات العامة مساهمًا. الصفقة، بصرف النظر عن تفاصيلها الاستثمارية، تقدم صورة شديدة الدلالة عن المسافة التي قطعتها كرة القدم السعودية: النادي الذي كانت الصحافة تغطي مبارياته قبل عقود أصبح اليوم شركة لها قيمة منشأة وتدخل في صفقات استثمارية مؤسسية. وفي المقابل، تغيرت «الذاكرة» نفسها. لم يعد أرشيف الصحيفة حبيس المستودعات. ففي 2012 أعلنت «الرياض» الانتهاء من المسح الضوئي لجميع صفحات أعدادها الورقية منذ العدد الأول وحتى نهاية 2008، بإجمالي 424,865 صفحة PDF، كما وثقت مواد السنوات الست الأولى وحدها بنحو 170 ألف مادة صحافية ضمن 1700 عدد. وفي ذلك الوقت كان أرشيف الصور يقترب من مليون صورة. وبحلول 2018 أعلنت مؤسسة اليمامة الصحفية أن مركز المعلومات يوثق أكثر من 8 ملايين صورة، إلى جانب آلاف المراجع والملفات. وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: الصحيفة التي كانت تعاني في 1965 من تأخر وصول خبر المباراة أصبحت تملك أرشيفًا رقميًا هائلًا يمكن للباحث أن يعود إليه لاستخراج قصة رياضية تمتد لعقود. وهذا هو السبب في أن نهاية النسخة الورقية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية القصة. فالمفارقة أن آخر مرحلة من الورق تأتي في اللحظة التي أصبحت فيها الرياضة السعودية نفسها أكثر حاجة إلى التوثيق من أي وقت مضى. ففي 2025 أنهى الاتحاد السعودي لكرة القدم بالتعاون مع FIFA مشروعًا لتوثيق تاريخ كرة القدم السعودية، غطى 123 عامًا، من 1902 إلى 2024، في محاولة لحفظ الإرث الرياضي السعودي بصورة مؤسسية. وفي المقابل، تغيرت «الذاكرة» نفسها. لم يعد أرشيف الصحيفة حبيس المستودعات. ففي 2012 أعلنت «الرياض» الانتهاء من المسح الضوئي لجميع صفحات أعدادها الورقية منذ العدد الأول وحتى نهاية 2008، بإجمالي 424,865 صفحة PDF، كما وثقت مواد السنوات الست الأولى وحدها بنحو 170 ألف مادة صحافية ضمن 1700 عدد. وفي ذلك الوقت كان أرشيف الصور يقترب من مليون صورة. وبحلول 2018 أعلنت مؤسسة اليمامة الصحفية أن مركز المعلومات يوثق أكثر من 8 ملايين صورة، إلى جانب آلاف المراجع والملفات. وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: الصحيفة التي كانت تعاني في 1965 من تأخر وصول خبر المباراة أصبحت تملك أرشيفًا رقميًا هائلًا يمكن للباحث أن يعود إليه لاستخراج قصة رياضية تمتد لعقود. وهذا هو السبب في أن نهاية النسخة الورقية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها نهاية القصة. فالمفارقة أن آخر مرحلة من الورق تأتي في اللحظة التي أصبحت فيها الرياضة السعودية نفسها أكثر حاجة إلى التوثيق من أي وقت مضى. ففي 2025 أنهى الاتحاد السعودي لكرة القدم بالتعاون مع FIFA مشروعًا لتوثيق تاريخ كرة القدم السعودية، غطى 123 عامًا، من 1902 إلى 2024، في محاولة لحفظ الإرث الرياضي السعودي بصورة مؤسسية. وبينما كانت الرياضة السعودية في 1965 تتسع ببطء من فرق محلية ومباريات ودية، أصبحت في 2026 تستضيف وتستهدف أكبر الأحداث العالمية، وتملك أندية ذات قيمة استثمارية، ولاعبين ومدربين من مختلف أنحاء العالم، ومنتخبًا يخوض سابع مشاركة له في كأس العالم. وبينما كانت «الرياضة في أسبوع» تنتظر وصول الرسائل، أصبحت «دنيا الرياضة» تعمل في عصر يستطيع فيه القارئ أن يرى المباراة والهدف والإحصائية والتصريح في اللحظة نفسها. لذلك فإن الحكاية التي تستحق أن تحفظها النسخة الورقية الأخيرة ليست حكاية الورق وحده. إنها حكاية الزمن الذي تغيرت فيه الرياضة أمام أعين الصحيفة: من ملعب الصائغ إلى كأس العالم، من صفحة أسبوعية إلى أرشيف رقمي ضخم، من لاعب محلي إلى نجم عالمي، ومن نادٍ رياضي إلى شركة لها قيمة واستثمار وحوكمة.
إقرأ المزيد


