جريدة الرياض - 6/5/2026 2:42:28 AM - GMT (+2 )
ليست كل عودة في كرة القدم تعني لاعبًا شُفي من إصابة وعاد إلى التشكيلة، فبعض اللاعبين يعودون من أماكن أبعد كثيرًا من الملعب، من لحظات يختبرون فيها معنى الخوف والصبر والقدرة على البدء من جديد. هكذا تبدو حكاية سيباستيان هالر، مهاجم كوت ديفوار، الذي لم يعد إلى كرة القدم فقط، بل عاد إلى الحياة التي كادت أن تتوقف فجأة وهو في ذروة الطريق.
في صيف 2022، وبعد انتقاله إلى بوروسيا دورتموند الألماني، تلقّى هالر خبرًا صحيًا صعبًا غيّر بداية رحلته مع النادي، فابتعد عن الملاعب وخاض فترة علاج طويلة وقاسية، بينما كان العالم الكروي يراقب قصته بقلق وتعاطف، وفي تلك الفترة، لم يعد الحديث عن الأهداف أو الصفقات أو المنافسة، بل عن إنسان يحاول أن يستعيد نفسه أولًا، قبل أن يستعيد مكانه داخل المستطيل الأخضر.
لكن هالر عاد، وعاد بصورة بدت أكبر من مجرد لاعب استأنف مسيرته، عاد بهدوء، خطوة بعد أخرى، حتى وقف مجددًا داخل الملاعب الأوروبية، وكأن وجوده وحده أصبح انتصارًا مستقلًا، قبل أن يكتب لاحقًا أكثر فصول قصته تأثيرًا بقميص كوت ديفوار.
ولد هالر في فرنسا لأب فرنسي وأم إيفوارية، وبدأ رحلته الكروية داخل الملاعب الفرنسية، قبل أن يختار لاحقًا تمثيل منتخب كوت ديفوار، وهناك وجد المعنى الأعمق لمسيرته، لم يكن مجرد مهاجم طويل القامة يجيد اللعب داخل منطقة الجزاء، بل لاعبًا يحمل شخصية هادئة وصلبة في آنٍ واحد، يعرف كيف يمنح فريقه الحل حين تضيق المباراة، وكيف يتحول إلى نقطة ارتكاز نفسية قبل أن يكون عنصرًا هجوميًا.
ومع منتخب بلاده، جاءت اللحظة التي جعلت قصته تتجاوز حدود الرياضة نفسها، ففي كأس أمم أفريقيا 2023، دخلت كوت ديفوار البطولة المضطربة وسط ضغوط جماهيرية هائلة، وكادت تغادر من دور المجموعات بعد نتائج صادمة، حتى بدأ المنتخب على حافة الانهيار الكامل، لكن البطولة أخذت منحى مختلفًا تدريجيًا، ومع الأدوار الإقصائية عاد هالر إلى المشهد بعد غياب بدني، ليبدأ كتابة الفصل الذي سيبقى طويلًا في ذاكرة الإيفواريين.
في نصف النهائي أمام الكونغو الديمقراطية، سجّل هدف العبور إلى النهائي، ثم عاد في المباراة النهائية أمام نيجيريا ليسجل الهدف الذي منح كوت ديفوار لقبها الأفريقي الثالث، لم يكن الهدف مجرد لمسة مهاجم داخل منطقة الجزاء، بل بدا وكأنه اكتمال لحكاية رجل قاوم كثيرًا كي يقف أصلًا في تلك اللحظة.
ما يجعل قصة هالر مختلفة أن كرة القدم عنده لم تعد مجرد منافسة على الألقاب، بل مساحة لإثبات أن الإنسان يستطيع النهوض حتى بعد أقسى المنعطفات، ولهذا، حين احتفلت به الجماهير الإيفوارية، لم تكن تحتفل فقط بالمهاجم الذي سجل هدف البطولة، وإنما بالرجل الذي عاد من العتمة ليقود وطنًا كاملًا نحو الفرح.
فنيًا، يملك هالر صفات المهاجم الكلاسيكي المتطور؛ قوي في الكرات الهوائية، ذكي في التحرك، ويعرف كيف يلعب ظهره للمرمى، لكنه في الوقت نفسه ليس مهاجم صندوق جامد، بل لاعب يربط اللعب ويمنح زملاءه المساحات، وهذه النوعية من المهاجمين تصبح أكثر قيمة في البطولات الكبرى، حيث تتحول التفاصيل الصغيرة إلى الفارق بين البقاء والخروج. ومع اقتراب كأس العالم 2026، تدخل كوت ديفوار البطولة وهي تحمل لقب بطل أفريقيا وطموح العودة إلى صورة المنتخب الذي يخشاه الجميع، بينما يقف هالر في قلب هذه الرحلة لاعبًا لا يحتاج إلى تقديم نفسه بالأرقام وحدها، لأن قصته صارت أكبر من الإحصائيات. ولهذا، فإن حكاية سيباستيان هالر مع المونديال ليست قصة مهاجم يبحث عن هدف جديد فقط، بل قصة رجل تعلّم أن الحياة نفسها يمكن أن تمنح الإنسان فرصة ثانية، إذا امتلك الشجاعة الكافية ليعود من الظل، ويقف مرة أخرى تحت الضوء.
إقرأ المزيد


