جريدة الرياض - 4/10/2026 12:05:48 AM - GMT (+2 )
تأسيس Premier League أعاد تعريف كرة القدم كمنتج إعلامي عالمي
كرة القدم نحو مرحلة أكثر تعقيدًا إذ أصبحت جزءًا من الاقتصاد الرقمي والترفيه العالمي
ريال مدريد أول نادٍ في التاريخ يتجاوز مليار يورو كإيرادات سنوية
ارتفعت إيرادات أكبر 20 ناديًا في العالم من نحو 2.5 مليار يورو إلى 4.8 مليارات يورو بحلول 2010
لم تعد كرة القدم في عصرها الحديث اللعبة الشعبية التي تُحسم فصولها داخل المستطيل الأخضر بل تحولت إلى منظومة اقتصادية معقدة تقودها الاستثمارات وتُقاس فيها النجاحات بمؤشرات مالية لا تقل أهمية عن تحقيق البطولات وهذا التحول لم يكن وليد اللحظة بل جاء نتيجة مسار تاريخي طويل بدأ من نموذج تقليدي محدود الموارد وانتهى إلى صناعة عالمية تُقدّر بمليارات الدولارات سنويًا تقودها شركات واستثمارات عابرة للقارات.
منتج إعلامي
في المراحل الأولى من تاريخ اللعبة، وحتى أواخر ثمانينيات القرن الماضي كانت الأندية تعتمد بشكل شبه كامل على إيرادات يوم المباراة، حيث شكّلت التذاكر المصدر الأساسي للدخل وأهم مورد لتلك الأندية بينما ظلت حقوق البث التلفزيوني محدودة للغاية وتكاد لا تذكر ووفقًا لتقارير شبكة Deloitte السنوية للتمويل الكروي وهي تقارير رائدة ومستقلة تعدها مجموعة الأعمال الرياضية في الشركة يستعرض الأداء المالي للأندية والدوريات الأوروبية المحترفة فإن النمو المالي للأندية في تلك الحقبة كان مرتبطًا بعوامل محلية مثل سعة الملاعب وعدد الجماهير دون وجود نموذج اقتصادي متكامل يشبه للنماذج الحالية للأندية وهذا الواقع تغيّر جذريًا مع بداية التسعينيات وتحديدًا عام 1992 حين تم تأسيس Premier League الإنجليزي بعد انفصال أندية الدرجة الأولى عن اتحاد الدوري الإنجليزي في خطوة أعادت تعريف كرة القدم كمنتج إعلامي عالمي خصوصًا بعد توقيع عقد بث مع شبكة Sky بقيمة 304 ملايين جنيه إسترليني لمدة خمس سنوات هذه الصفقة شكّلت نقطة بداية للتحول الهيكلي لرياضة كرة القدم، حيث فتحت الباب أمام تضخم غير مسبوق في قيمة حقوق البث التي أصبحت لاحقًا الرافد المالي الأهم لدخل الأندية، إذ تجاوزت قيمة حقوق البث في العقود الحديثة للدوري الإنجليزي حاجز 10 مليارات جنيه إسترليني بحسب البيانات الرسمية للدوري.
مرحلة جديدة
مع دخول الألفية الجديدة بدأت كرة القدم تشهد مرحلة أكثر عمقًا من التحول الاقتصادي بالتحديد مع دخول المستثمرين الأجانب وصناديق الاستثمار وهو ما غيّر طبيعة ملكية الأندية من كيانات محلية إلى شركات ذات طابع عالمي وخلال هذه الفترة ارتفعت إيرادات أكبر 20 ناديًا في العالم من نحو 2.5 مليار يورو في أواخر التسعينيات إلى ما يقارب 4.8 مليارات يورو بحلول عام 2010، وفقًا لتقارير Deloitte Football Money League وهو نمو يعكس بداية تحول الأندية إلى علامات تجارية عالمية كما شهدت هذه المرحلة تصاعدًا ملحوظًا في عقود الرعاية حيث تجاوزت بعض الاتفاقيات التجارية عشرات الملايين سنويًا ما جعل الإيرادات التجارية عنصرًا أساسيًا في معادلة القوة المالية.
تسارع ملفت
ومع دخول العقد الثاني من الألفية تسارع هذا التحول بشكل لافت حيث تضاعفت الإيرادات وارتفعت القيم السوقية للأندية واللاعبين بشكل غير مسبوق، ففي عام 2019 بلغت إيرادات أكبر 20 ناديًا عالميًا نحو 9.3 مليارات يورو وهو ما يعكس تضاعف السوق خلال أقل من عقد، كما شهدت هذه الفترة تضخمًا كبيرًا في سوق الانتقالات حيث أصبحت الصفقات التي تتجاوز 100 مليون يورو أمرًا معتادًا في دلالة واضحة على ارتفاع قيمة الأصول البشرية داخل اللعبة وفي الوقت ذاته توسعت الأندية في استغلال جماهيرها عالميًا عبر المنصات الرقمية ما أدى إلى تعزيز الإيرادات التجارية من خلال الرعايات والتسويق الرقمي والمتاجر الإلكترونية التي تعد هي الأخرى مصادر دخل مهمة للأندية.
تحديات كورونا
ورغم التحديات التي فرضتها جائحة كورونا على العالم بأسره فإن كرة القدم أثبتت قدرتها على التعافي السريع بل ومواصلة النمو بوتيرة أعلى، فبحسب أحدث تقارير Deloitte تجاوزت إيرادات أكبر 20 ناديًا عالميًا حاجز 12.4 مليار يورو في موسم واحد وهو رقم قياسي يعكس قوة السوق، وفي هذا السياق أصبح نادي ريال مدريد الإسباني أول نادٍ في التاريخ يتجاوز مليار يورو كإيرادات سنوية وهو إنجاز يعكس مدى تحول الأندية إلى كيانات اقتصادية عملاقة قادرة على تحقيق عوائد تفوق بعض الشركات الكبرى، وهذا النمو لم يكن ممكنًا دون تطور نموذج الإيرادات الذي انتقل من الاعتماد على مصدر واحد إلى منظومة متعددة تشمل حقوق البث والإيرادات التجارية من مبيعات المتاجر الإلكترونية وغيرها وإيرادات يوم المباراة والتذاكر الموسمية وتشير تقارير Deloitte إلى أن الإيرادات التجارية أصبحت تمثل نحو 44 ٪ من إجمالي دخل الأندية الكبرى متجاوزة في كثير من الحالات عوائد البث، فيما تجاوزت إيرادات يوم المباراة 2.4 مليار يورو عالميًا، كما لعبت البنية التحتية دورًا محوريًا في هذا التحول حيث لم تعد الملاعب مجرد أماكن لإقامة المباريات بل تحولت إلى مشاريع استثمارية متكاملة تضم متاجر ومرافق ترفيهية وتعمل على مدار العام ما أسهم في رفع القيمة الاقتصادية للأندية بشكل كبير، في موازاة ذلك، أسهمت الاستثمارات الكبرى سواء من شركات خاصة أو صناديق سيادية في إعادة تشكيل خريطة كرة القدم العالمية فقد أدت هذه الاستثمارات إلى تضخم تقييم الأندية، حيث تشير تقديرات مجلة Forbes لعام 2024 إلى أن قيمة نادي ريال مدريد بلغت نحو 6.6 مليارات دولار، يليه مانشستر يونايتد بقيمة تقارب 6.55 مليارات دولار، ثم نادي برشلونة بنحو 5.6 مليارات دولار، وهو ما يعكس تحول الأندية إلى أصول استثمارية عالية القيمة تتنافس عليها كبرى الشركات العالمية.
نموذج اقتصادي
أما على مستوى الأندية التي استفادت من هذا التحول، فيبرز الدوري الإنجليزي الممتاز كنموذج اقتصادي متكامل، حيث سجلت أنديته إيرادات بلغت نحو 6.3 مليارات جنيه إسترليني في موسم واحد ما يجعله الدوري الأكثر قوة من الناحية المالية، كما نجحت أندية مثل مانشستر سيتي في استثمار رؤوس الأموال طويلة المدى لبناء منظومة رياضية واقتصادية متكاملة، في حين عززت أندية مثل ريال مدريد وبرشلونة مكانتها عبر استراتيجيات تسويقية عالمية وتوسيع مصادر دخلها.
وفي ظل هذه المعطيات تتجه كرة القدم نحو مرحلة أكثر تعقيدًا حيث أصبحت جزءًا من الاقتصاد الرقمي والترفيه العالمي، وتشير تقديرات UEFA إلى أن إيرادات الأندية الأوروبية مرشحة لتجاوز 30 مليار يورو سنويًا خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بالتوسع في الأسواق الجديدة وتزايد الاعتماد على البيانات والتحليل الرقمي وتطوير تجربة الجماهير.
إقرأ المزيد


