«مكتشف المواهب».. «18» عامًا على رحيل«رجاء النقاش»
المصري اليوم -

«رجاء النقاش»..أحد أبرز فرسان الصحافة والأدب والنقد. لم يكن«النقاش» مجرد ناقد أو أديب، بل كان حالة استثنائية ونموذجًا فريدًا للكاتب الحر الذى صاغ مسيرته المهنية بمزيج نادر من الالتزام العميق بالقضايا العربية، والجرأة المتناهية فى طرح الآراء، والموضوعية التى جعلت منه مرجعًا للمصداقية لدى القراء فى مصر وعموم الوطن العربى.

غلاف الكتاب

غلاف الكتاب

لقد حظى النقاش بإحترام كبيرعلى مدى عقود من الكتابة النضالية، حتى أن خصومه فى المعارك الفكرية كانوا يُقرون بمكانته الرفيعة، واصفين إياه بالخصم الشريف، عفيف اللسان والقلم. هذه الشخصية الفذة هى التى نقف اليوم فى ذكراها الثامنة عشرة حيث رحل عن عالمنا فى الثامن من فبرايرعام 2008، لنستعرض إرثها الذى لا يعوض.

كان النقاش ضميرًا نقديًا مؤثرًا وشاهدًا أمينًا على عصره، تمكن ببراعة من المزج بين شغفه للأدب وفطنته الصحفية. حياته كانت عبارة عن روافد متعددة تصب فى نهر الثقافة العربية؛ من النقد الأدبى والفنى التطبيقى، إلى التأريخ المتقن لجوانب الثقافة الحديثة، والدفاع المستميت عن قضايا الفكر القومى.

لا يمكن الحديث عن مسيرة رجاء النقاش الصحفية والنقدية دون الإشارة إلى عمق رؤيته وشموليته الفكرية التى لم تقتصر على التنظير وحسب، بل امتدت لتكون قوة دافعة فى اكتشاف وصناعة الظواهر الثقافية الكبرى، يُحسب للنقاش السبق فى إزاحة الستار عن شعر المقاومة الفلسطينية المجهول آنذاك، مقدمًا اكتشافات مبكرة لمواهب شابة أصبحت لاحقًا نجومًا ساطعة فى سماء الأدب العربى، أبرزهم الشاعران محمود درويش وسميح القاسم، بالإضافة إلى اكتشافه الباكر للروائى السودانى الطيب صالح.

لهذه الأسباب، استحقت قامته الصحفية والنقدية ألقابًا مثل «مكتشف المواهب» و«صانع الظواهر الثقافية »، وكما عبر درويش بنفسه فى رسالة محبة وامتنان واصفًا النقاش بـ «الأخ الذى لم تلده أمي»، ومثنيًا على دوره فى ربط الشعراء القابعين خلف الأسوار بجمهورهم وقرائهم فى العالم العربى.

تُوجت هذه المسيرة الحافلة برئاسة تحرير مجلات ثقافية كبرى، مثل «الدوحة» القطرية و«الآداب» البيروتية، حيث ارتقى بهما لتصبحا منبرين ثقافيين يحظيان بتقدير واسع فى أنحاء العالم العربى بفضل رؤيته الثاقبة. وخلال السطور القادمة، سنغوص أكثر فى عوالم رجاء النقاش هذه القامة الإعلامية والنقدية التى لا يمكن تجاوز إرثها العظيم.

خلف كل كاتب عظيم بيئة خصبة عميقة.. بالنسبة لرجاء النقاش، شكل بيت عبد المؤمن النقاش النواة الأولى لتكوين رجاء النقاش الأدبى. فقد ولد محمد رجاء عبد المؤمن النقاش فى 3 سبتمبر 1934 بقرية منية سمنود التابعة لمركز أجا فى الدقهلية، وفقًا لشهادة ميلاده الرسمية، إلا أن الدكتوررجب أبو العلا فى كتابه المعنونة «نقد الشعر عند رجاء النقاش» أشار إلى أن تاريخ ميلاده الحقيقى يسبق ذلك بعشرة أيام، تحديدًا فى 23 أغسطس 1934، بقرية القباب حيث كان يعمل والده عبد المؤمن النقاش آنذاك، وقد حدث تأخير فى تسجيله. اتفق والداه على اسم مركب، حيث أراد الأب تسميته «رجاء» تيمنًا بالابن الأكبرللأديب والمترجم أحمد حسن الزيات، بينما اختارت الأم اسم «محمد»، ليستقر الأمر على «محمد رجاء»، واشتهر لاحقًا باسم «رجاء النقاش».

نشأ النقاش فى كنف أسرة متواضعة الحال تعتمد فى دخلها على راتب الأب الذى عمل مدرسًا، وكان «محمد رجاء» الابن الأكبر لثمانية أشقاء هم: وحيد، عاصم، عطاء، بهاء، فكرى، فريدة، وأمينة. لم يكن رجاء وحده النجم الساطع من هذا البيت؛ فقد أثمرت هذه الأسرة عن جيل كامل من المثقفين البارزين، منهم الكاتبة الصحفية فريدة النقاش، التى ترأست تحرير مجلة «أدب ونقد» لنحو عقدين من الزمان ثم صحيفة «الأهالي». كما برز شقيقه المؤلف المسرحى فكرى النقاش، والمترجم والناقد وحيد النقاش، وأمينة النقاش.، لم يكن «رجاء النقاش» يفتقد للثروة الحقيقية؛ فقد كانت جدران منزله تضج بالكتب، بفضل عبد المؤمن النقاش، الأب العاشق للثقافة والأدب. هذا الوعى المعرفى دفع الأب للإصرار على إتمام أبنائه جميعًا مراحل التعليم الجامعى، مؤسسًا بذلك البيئة الثقافية الأولى التى صقلت موهبة رجاء الأدبية ووسعت مداركه فى اللغة والشعر والقصة وفنون الأدب كافة.

إلى جانب هذا المناخ المنزلى الخصب، لعب القرآن الكريم دورًا محوريًا فى تشكيل حياته الأدبية والأخلاقية. كان شغوفًا بحفظ سوره فى سن مبكرة، بتشجيع ومساعدة من والده الذى لم يكن مجرد شاعر وأديب، بل كان أيضًا أحد علماء الدين الأجلاء فى قريتهم. بعد إتمام دراسته الثانوية فى سمنود عام 1951، شد النقاش الرحال إلى القاهرة ليلتحق بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليًا)، ليتخصص فى اللغة العربية ويتخرج منها عام 1956. وقبل تخرجه، اتجه نحو النقد الأدبى، وبدأت دراساته تنشر فى مجلة «الآداب» البيروتية المرموقة.

كانت انطلاقته المهنية مبكرة، ففى عام 1953، عندما كانت ظروفه الاقتصادية صعبة للغاية وهو لايزال طالبًا جامعيًا، اختاره زكريا الحجاوى للعمل فى جريدة «الجمهورية» التى كانت تحت التأسيس. بدأ النقاش مسيرته بوظيفة «مصحح» براتب شهرى قدره عشرة جنيهات فقط، ذلك المبلغ الزهيد الذى كان له الفضل الأكبر فى مساعدته على إكمال تعليمه الجامعى ومواجهة صعوبات الحياة.

واصل رجاء النقاش مسيرته المهنية المتنقلة، وانتقل بعد ذلك إلى مجلة «الإذاعة» الأسبوعية، حيث عمل لنحو عامين (1954-1956)، ثم إلى مجلة البوليس مع سعد الدين وهبة، التى تميزت بطابع ثقافى عام فى ذلك الحين. فى عام 1959، استقطبته صحيفة «الجماهير» فسافر إلى دمشق وعمل فيها لعدة أشهر قبل توقفها. بعد عودته إلى القاهرة عام 1959، بدأ رحلة مكوكية فى كبرى المؤسسات الصحفية المصرية: روزاليوسف (1959-1961)، دار أخبار اليوم كمحرر ثقافى (1961-1963)، ثم الجمهورية (1964-1965).

جاءت نقطة التحول الكبرى، عندما دعاه أحمد بهاء الدين للعمل فى دار الهلال عام 1965، لتبدأ مرحلة جديدة ومزدهرة. تولى رئاسة تحرير مجلة «الكواكب» لفترة، ونجاحه قاده لتولى رئاسة تحرير مجلة «الهلال» (1969-1971)، فى واحدة من أخصب سنوات المجلة ثقافيًا. ثم انتقل ليصبح رئيسًا لمجلس إدارة مجلة «الإذاعة والتليفزيون»، وحولها إلى مطبوعة ثقافية رائدة، حيث نشر رواية «المرايا» لنجيب محفوظ مسلسلة قبل صدورها كتابًا.

امتدت بصمته إلى الخليج، حيث أسهم فى إنشاء صحيفة «الراية» كأهم صحيفة قطرية آنذاك، وكان أول مدير لتحريرها (1979-1981)، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة «الدوحة» من 1981 حتى توقفها فى 1986، ووضعها بقوة على خريطة المجلات الثقافية العربية المرموقة.

عاد النقاش إلى مصر بعد ذلك ليعمل كاتبا بمجلة المصور فى نهاية ثمانينيات القرن الماضى، ثم تولى رئاسة تحرير مجلة الكواكب 1992 المنصب الذى شغله حتى استقالته من دار الهلال عام 2003. وفى السنوات الأخيرة أصبح كاتبا متفرغا فى مؤسسة الأهرام، التى ظل يكتب فيها مقالا أسبوعيا منذ عام 1994حتى وفاته فى 8 فبراير 2008 فى القاهرة بعد صراع مع مرض السرطان. تزوج من الدكتورة هانية عمر التى عملت كطبيبة ثم رئيسة لقسم الاطفال بمستشفى أم المصريين

نال النقاش عدة تكريمات، كان أبرزها نيله جائزة الدولة التقديرية بمصر عام 2000. كما كُرم فى حفل مهيب بنقابة الصحفيين بالقاهرة فى يناير السابق لوفاته، حيث تسلم دروعًا تذكارية من النقابة ومؤسسة «دار الهلال» و«حزب التجمع»، تقديرًا لمسيرته الحافلة.

تميز النقاش بقدرته الفذة على تقديم مبدعين كبار للساحة الأدبية، بعضهم كان يكبره سنًا، ومن أبرز هؤلاء الروائى السودانى الطيب صالح، حيث كان للنقاش الفضل فى لفت الأنظار إلى روايته الشهيرة «موسم الهجرة إلى الشمال»، عبر دراسته النقدية عنها عام 1968، ومقالته اللاحقة «الطيب صالح.. عبقرية روائية جديدة» (1971)، مما أسهم فى جعلها واحدة من أهم الروايات العربية فى القرن العشرين. وأصدر أول كتاب نقدى عن الشاعر الفلسطينى محمود درويش عام 1969 بعنوان «محمود درويش شاعر الأرض المحتلة»، وسلط الضوء كذلك على شعراء آخرين من الأرض المحتلة كسميح القاسم وتوفيق زياد وفدوى طوقان.

لعب النقاش دورًا محوريًا فى تقديم الشاعر صلاح عبد الصبور، أحد أهم رواد الشعر الحر فى مصر والعالم العربى، كان النقاش من أوائل المؤمنين بموهبته، حيث ركز على تحليل إبداعه عبر ديوانه «الناس فى بلادى»، مساهمًا فى إبراز تجربته الفريدة. لم يتوقف دور النقاش عند الشعر الفصيح، فقد مد يده ليقدم باكورة أعمال الشاعر الكبير أحمد عبد المعطى حجازى فى ديوانه «مدينة بلا قلب» عام 1957، كما قدم ديوان صلاح جاهين «عن القمر والطين» عام 1961. كانت دراساته عن شعر العامية رائدة فى كشف حيويته وإسهاماته المتميزة فى حركة الشعر العربى الحديث.

كما كان له السبق فى تقديم قراءات معمقة حول الأديب العالمى نجيب محفوظ، عبر كتابين هامين: «فى حب نجيب محفوظ» (1995)، و«صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» (1998)، الذى كان حصيلة حوارات مطولة شكلت مصدرًا موثوقًا ونادرًا عن حياة محفوظ وآرائه الشخصية.

تظل إسهامات رجاء النقاش النقدية واسعة وعميقة، فقد ترك وراءه مكتبة نقدية غنية بمؤلفات رائدة فى مختلف فنون الأدب، والنقد المسرحى، أبرزها «فى أضواء المسرح» (1965)، و«مقعد صغير أمام الستار» (1971)، و«شخصيات وتجارب فى المسرح العربي» (1974). وضمن دراساته الشاملة، جمع فى كتابه «أدباء معاصرون» (1971) تحليلات معمقة عن قامات أدبية كبرى مثل طه حسين، وتوفيق الحكيم، ومحمد مندور، وبدر شاكر السياب. تظل أعمال رجاء النقاش علامات مضيئة فى تاريخ النقد العربى، تلقى الضوء على المشهد الأدبى المعاصر وتؤرخ للشخصيات التى صاغت التأثير فيه. وللأسف، لا تستطيع هذه السطور القليلة الإحاطة بكافة إسهامات رجاء النقاش النقدية الغزيرة.



إقرأ المزيد