المصري اليوم - 2/3/2026 6:41:48 AM - GMT (+2 )
«فيودور دوستويفسكى» اسم مايزال يتردد صداه بقوة بعد مرور زمن طويل على رحيله فى 9 فبراير 1881. هذا الروائى والفيلسوف الروسى العملاق تخطت أعماله السرد التقليدى لتغوص فى أعماق النفس البشرية بتعقيداتها وصراعاتها الأخلاقية، وتاركاً لنا إرثاً خالداً من الروائع الأدبية منها «الجريمة والعقاب» إلى تحفته الاخيرة «الإخوة كارامازوف».
لم يكتفِ دوستويفسكى بسرد القصص، بل قدم تحليلات عميقة للشخصيات التى أصبحت نماذج أصيلة فى فهم السلوك البشرى، وهو ما جعل تأثير أعماله يتخطى حدود الجغرافية الروسية ليمتد ويساهم بقوة فى تشكيل الفكر الحديث، مؤكداً مكانته كأحد أهم الأدباء الذين استطاعوا أن يخلدوا فى ذاكرة الإنسانية بفضل عمق كتاباتهم وقدرتهم على استكشاف الجوانب الأكثر إظلاماً وإشراقاً فى النفس البشرية.
نشأة مكلومة صاغت عبقرية «روسيا كلها»..بالفعل لم تكن طفولة فيودور ميخائيلوفيتش دوستويفسكى، المولود فى موسكو عام 1821، سوى مقدمة لحياة اتسمت بالدراما والتحديات التى انعكست لاحقاً فى أعماق كتاباته الفلسفية. فبينما اهتمت أسرته بتعليمه رغم قلة الثروة، واجه الكاتب اليتم مبكراً: والدته المتدينة رحلت قبل أن يتم السادسة عشرة، ولحق بها والده الطبيب عام 1839، ليجد دوستويفسكى نفسه وحيداً فى الثامنة عشرة من عمره. ورغم مساره الأكاديمى الذى قاده للتخرج فى كلية الهندسة عام 1843، إلا أن شغفه الجامح بالأدب حسم خياراته المهنية مبكراً، ليتخلى عن الهندسة لصالح الكلمة المكتوبة التى خلدت اسمه كواحد من أعظم من غاصوا فى النفس البشرية.
لم يطل انتظار الشاب الطموح ليحجز مقعده فى المشهد الأدبى الروسي؛ فبعد أولى محاولاته عام 1844 بنشر ترجمة متواضعة لرواية بلزاك «أوجينى غرانديه»، جاءت لحظة التحول الكبرى بعد عامين فقط، فى عام 1846، أبصرت روايته الأولى «الفقراء» النور، كانت هذه الرواية بمثابة قنبلة أدبية، إذ أشعلت شهرة الكاتب البالغ من العمر أربعة وعشرين عاماً بين ليلة وضحاها. وسرعان ما حظى بإشادة نقدية مدوية من فيساريون بيلينسكى، الناقد الأبرز فى عصره، الذى أشاد بوعيه الاجتماعى الاستثنائى وأعلن دوستويفسكى رسمياً الوريث الشرعى والمنتظر للعملاق الأدبى غوغول.
وعلى النقيض من فترات حياته السابقة التى اتسمت بالمعاناة والمصاعب، تعد الفترة الممتدة من عام 1871 حتى يوم وفاته فى فبراير 1881 الأكثر سعادة واستقراراً. ففيها تعاظم مجد دوستويفسكى حتى انتُخب عضواً فى الأكاديمية عام 1877، وأصبح يُعترف له بأنه «الكاتب العبقرى لروسيا كلها»، حتى من قبل السلطات رغم جرأته واستقلاله الفكرى. تمكن خلال هذه المرحلة الهادئة من التخلص من داء القمار، ورغم النازلة الوحيدة التى ألمت به بوفاة ابنه ألكسندر بنوبات صرع وراثية عام 1878، فقد أنتج دوستويفسكى خلاصة أدبه وفكره فى رواياته الثلاث الكبرى: «الجن»، و«المراهق»، وأخيراً «الإخوة كارامازوف»، التى قدم فيها التعارض بين الآباء والأبناء والصراعات الإنسانية العميقة التى ميزت أسلوبه الفريد.
تُعد رواية «الإخوة كارامازوف»، التى انتهى دوستويفسكى من كتابتها فى نوفمبر 1880 قبل وفاته بوقت قصير فى فبراير 1881، بمثابة التتويج الأسمى لمسيرته الأدبية وتحفته الفنية التى لا مثيل لها. هذه الملحمة الضخمة، التى كانت تُعرف سابقاً باسم «حياة الخاطئ العظيم»، هى العمل الأبرز الذى يجسد تناقضات العقل المبدع لدى الكاتب الروسى العملاق. أمضى دوستويفسكى قرابة عامين فى كتابة الرواية، لكنه ما لبث أن فارق الحياة بعد أقل من أربعة أشهر من نشرها، تاركاً إرثاً يناقش القضايا الوجودية الكبرى كالإيمان والشك والأخلاق.
ولم يتوقف صدى «الإخوة كارامازوف» عند حدود اللغة الروسية؛ فقد ترجمت أعمال دوستويفسكى لعدة لغات عالمية، وتعتبر ترجمة سامى الدروبى الشهيرة إلى اللغة العربية، التى نشرها المركز الثقافى العربى فى ستينيات القرن العشرين. كما ألهمت الرواية صناع السينما عالمياً ومحلياً، وتم اقتباسها فى عدة أعمال سينمائية وتلفزيونية، أبرزها الفيلم الأمريكى (1958) بطولة يول برينر، والنسخة الروسية (1969)، بالإضافة إلى الفيلم المصرى «الأخوة الأعداء» (1974) للمخرج حسام الدين مصطفى، وركزت جميع هذه الأعمال على الصراعات العائلية العميقة بين الإخوة وشخصية الأب المستبد.
فى روايته الأخيرة، «الإخوة كارامازوف» لا يكتفى دوستويفسكى بسرد قصة صراع مرير بين أب ذى شخصية طاغية وأبنائه الثلاثة المختلفين تماماً ديمترى المتهور، وإيفان العقلانى البارد، وأليكسى الوديع. بل إن القوة الحقيقية للرواية لا تكمن فى حبكة جريمة بشعة غامضة فى قتل الأب، التى يشارك فيها ثلاثة ابناء فى بلدة سكوتوبريغونييفسك الخيالية، أو فى التشويق الذى يسبق المحاكمة اللاحقة لديمترى، بل فى الأسئلة الجوهرية والوجودية التى تطرحها بإلحاح: هل الله موجود؟ وإذا كان كذلك، فماذا يعنى ذلك بالنسبة للحياة الإنسانية؟
الرواية فى جوهرها هى قصة آباء وأبناء، قصة خطايا الأب فيودور بافلوفيتش كارامازوف وانكسار أبنائه، كل منهم يكافح مع مفهوم الإيمان وما يدين به للآخر. يعكس شغف ديمترى المتهور فساد والده، بينما يتمرد عقلانية إيفان الباردة عليه، وتعكس شفقة أليوشا الرقيقة قداسة معلمه الهادئة، الجندى الذى أصبح راهباً، الأب زوسيما. من خلال تصادم الشخصيات المأساوى والكوميدى والإنسانى العميق، يظهر دوستويفسكى كيف ينتشر الحب والخطيئة، مُشكِّلين حياة كل من يرتبط بنا.
يرتكز السياق التاريخى للرواية على روسيا فى القرن التاسع عشر التى اتسمت باضطرابات اجتماعية وسياسية وفلسفية عميقة، ويتعمق دوستويفسكى فى النقاشات الفكرية لتلك الحقبة، متناولاً قضايا وجودية والصراع السرمدى بين الإيمان والعقل.
بحسب الناقد والباحث الأدبى كونستانتين موتشولسكى، عكست رواية «الإخوة كارامازوف» ثلاثة جوانب وثلاث مراحل متتالية من تطور شخصية دوستويفسكى: المرحلة المبكرة الرومانسية (ديمتري)، والمرحلة الإلحادية (إيفان)، والمرحلة المتأخرة (أليوشا). بعبارة أخرى، كان مؤلف الرواية بمثابة النموذج الأولى لكل من الإخوة الثلاثة.
رسالة دوستويفسكى من روايته التقرب من الرحمة ومواجهة القلوب المنقسمة؛ فكما يعلِّمنا الأب زوسيما: «الحب كنز لا يُقدَّر بثمن، يُمكنك به أن تُخلِّص العالم بأسره». تسهم رؤية دوستويفسكى النفسية وعمقه الفلسفى فى ترسيخ مكانة «الإخوة كارامازوف» كإحدى كلاسيكيات الأدب العالمى، ودراسة معمقة للحالة الإنسانية التى لا تزال تُلهم الأجيال اللاحقة.
إقرأ المزيد


