جريدة الرياض - 1/23/2026 1:04:18 AM - GMT (+2 )
الاستثمار الرياضي ليس خطأً بل هو الطريق الصحيح
الجمهور السعودي لم يعد منبهرًا بالاسم بقدر ما يبحث عن النتيجة
الأندية تعيش في دوامة التعاقدات دون وجود مشروع فني طويل المدى
البريق وحده لا يصنع تاريخ كرة القدم
حين وطئت أقدام كريستيانو رونالدو أرض المملكة، ظنّ كثيرون أن الكرة السعودية على وشك أن تدخل مرحلة جديدة من التوهّج والعالمية، كانت الصورة ساحرة: نجم عالمي، كاميرات من كل القنوات، اهتمام دولي غير مسبوق، وتدفق كبير في الاستثمار الرياضي. وبعده جاءت أسماء من الصف الأول: بنزيمة، نيمار، فيرمينو، وكان الأمر أشبه بحلم يتحقق. لم يعد الدوري السعودي بطولة محلية، بل منصة كروية تنافس الدوريات الكبرى في الزخم والشهرة، لكن بعد مرور الوقت، بدأ السؤال الأكثر وجعًا يطفو على السطح: لماذا لا تزال البطولات القارية بعيدة، والمنتخبات تعاني، والمستوى الفني متذبذبًا رغم الحضور العالمي المذهل؟
الجواب المؤلم يكمن في أن “الاستثمار” لم يُترجم إلى “مشروع”، نجوم عالميون جاؤوا إلى هنا في بيئة ما زالت في طور التأسيس، فكانت النتيجة بريقًا إعلاميًا أكثر من أثر فني. الدوري السعودي اليوم يملك أسماء لم يكن يتخيل أحد أن يراها في ملاعبه قبل سنوات، لكنه يفتقد ما يجعل وجود هؤلاء النجوم ذا قيمة حقيقية: نظام تنافسي عادل، جدولة احترافية، طواقم فنية وإدارية تعمل بعقلية عالمية، واستقرار تنظيمي يضمن أن تبقى التجربة مستدامة لا مؤقتة.
التجربة الصينية
المال وحده لا يصنع مجدًا، وإن صنع صورة مؤقتة، التجربة الصينية قبل سنوات خير دليل، الدوري الصيني أنفق مليارات وجلب لاعبين من أوروبا وأمريكا الجنوبية، وبلغ ذروته الإعلامية سريعًا، لكنه انهار في غضون سنوات قليلة حين اكتُشف أن البنية الإدارية والفنية لا تحتمل هذا الزخم، الأندية أفلست، النجوم غادروا، والمشروع كله اختفى من الذاكرة الرياضية، السبب أن الصين أنفقت قبل أن تخطط، وركضت وراء الشهرة قبل أن تبني الأساس، لا نريد لتجربتنا أن تكون تكرارًا لذلك السيناريو.
الفرق بين “الاستثمار” و“البناء” هو الفرق بين الوهج والعمق. لدينا فرصة تاريخية لأن نصنع من هذه الطفرة مشروعًا يغيّر وجه كرة القدم في آسيا والعالم، لكن هذه الفرصة يمكن أن تضيع إذا لم تتحول إلى منظومة تفكير. نجوم العالم وحدهم لا يكفون لصناعة النجاح، لأن اللاعب مهما كان اسمه سيغادر في نهاية المطاف، ويبقى النظام الذي يلعب فيه هو الحاكم الحقيقي لمستقبل اللعبة.
إدارة تحول المشهد الرياضي
المسألة لا تتعلق بصفقات ولا بأسماء، بل بطريقة إدارة هذا التحول، كل نادٍ اليوم يعيش في دوامة التعاقدات والتغييرات دون أن يكون لديه مشروع فني طويل المدى. كيف يمكن أن تنجح تجربة رونالدو مثلًا إذا كان الفريق يتغير كل موسم في المدرب والطريقة والفكر؟ وكيف يمكن أن يصنع بنزيمة الفارق إذا كانت المنظومة المحيطة به ما زالت تتعلم أبجديات التخطيط؟ النجوم لا يصنعون الفرق وحدهم، بل يصنعونه عندما يجدون بيئة احترافية تشبه ما تركوه في أوروبا.
التجربة اليابانية
الكرة السعودية اليوم تعيش حالة من “الاستثمار العاطفي”. نريد كل شيء بسرعة، نريد أن نكسب الجماهير والإعلام في وقت قياسي، لكن كرة القدم لا تؤمن بالاستعجال، النجاح فيها يحتاج إلى صبر طويل وتخطيط مدروس، التجربة اليابانية خير مثال على ذلك، فقد بدأت من التعليم والمدارس والأكاديميات قبل أن تحصد نتائجها في المنتخبات والأندية. لم تجلب اليابان نجوم أوروبا، بل صنعت نجومها بنفسها عبر منظومة طويلة النفس، نحن لدينا المال الذي لم يكن لديهم، لكنهم امتلكوا الرؤية التي لم نطبّقها بعد.
الاستثمار الرياضي ليس خطأ، بل هو الطريق الصحيح إن أُدير بفكر مؤسسي. لكن الخطأ أن نظن أن التغيير يبدأ من الخارج لا من الداخل. أن نستورد اللاعبين ونترك الأفكار. أن نبني الملاعب وننسى بناء العقل الإداري والفني الذي يديرها. عندما يتحول الاستثمار إلى غاية لا وسيلة، فإن النتيجة تكون حتمًا خيبة أمل تلمع قليلًا ثم تخفت. ما نحتاجه هو أن نعيد تعريف معنى “الاستثمار في الرياضة”، فهو لا يعني فقط التعاقد مع أسماء لامعة، بل يعني أيضًا استثمارًا في الكوادر الوطنية، في الأكاديميات، في الكشافين، في المديرين الرياضيين، في الإعلام الرياضي الذي يصنع وعيًا لا ضجيجًا.
الجمهور السعودي اليوم لم يعد منبهرًا بالاسم بقدر ما يبحث عن النتيجة. لقد رأى النجوم، وشاهد الملاعب الممتلئة، وعايش الصفقات التاريخية، لكنه يسأل سؤالًا بسيطًا: أين البطولات؟ الجمهور يريد أن يرى هذا الإنفاق ينعكس على أرض الملعب، على أداء المنتخب، على الأندية في دوري أبطال آسيا. يريد أن يشعر أن هذه الطفرة ليست مجرد عرض، بل مرحلة جديدة حقيقية في تاريخ الكرة السعودية. الجمهور لم يعد ساذجًا؛ هو يعرف الفرق بين إنجاز إعلامي وإنجاز رياضي.
فرصة تاريخية
الكرة السعودية تمتلك اليوم فرصة تاريخية لا يمكن أن تتكرر. لدينا دعم حكومي ضخم، واهتمام عالمي، وإمكانات غير مسبوقة. كل ما ينقصنا هو أن نتحول من “دولة الصفقات” إلى “دولة المشاريع”، نريد أن نرى خطة واضحة لكل نادٍ، رؤية وطنية للمنتخبات، نظامًا ماليًا وفنيًا شفافًا، وإدارة تملك الشجاعة لتقول “لا” حين يكون القرار خاطئًا مهما كانت الضغوط. نحن لا نحتاج إلى المزيد من الصفقات، بل إلى المزيد من التفكير.
قد تبدو الصورة اليوم زاهية ومليئة بالبريق، لكن البريق وحده لا يصنع التاريخ. كرة القدم لا تُخلّد من أنفق أكثر، بل من خطط أفضل. إن لم نتحول من الاستعراض إلى البناء، فسنجد أنفسنا نعيش نفس المشهد بعد سنوات: أسماء كبيرة، ضجيج كبير، ونتائج صغيرة. التاريخ لا يتذكر من جلب النجوم، بل من صنع النجوم. والمملكة تملك كل مقومات النجاح، فقط تحتاج أن تُدير هذه المرحلة بعقل بارد وفكر عميق لا بعاطفة اللحظة.
المال يمنحك البداية، لكنه لا يضمن النهاية، ومن هنا تبدأ الحقيقة التي يجب أن نواجهها بشجاعة: أن الاستثمار جميل في الصورة، لكنه ينهار عند أول موجة. كرة القدم السعودية تستحق أكثر من البريق، تستحق المجد.
- رئيس نادي الدرعية السابق
إقرأ المزيد


