جريدة الرياض - 1/2/2026 1:33:15 AM - GMT (+2 )
رحلة تطوير تصنع جيلاً يليق بالمونديال
لا تبدو المشكلة في خسارة مباراة، ولا في الخروج من بطولة بعينها، فهذه التفاصيل أصبحت جزءًا مألوفًا في ذاكرة المشجع السعودي خلال السنوات الأخيرة، إنما المشكلة أعمق من ذلك؛ في الإحساس المتكرر بأن المنتخب يدخل البطولات دون ملامح واضحة، ويغادرها بالسؤال ذاته: ماذا نريد فعليًا من هذا المنتخب؟
مع كل مشاركة جديدة، تتجدد الوعود ويتجدد التفاؤل، ثم تعود النتائج لتضعنا أمام الواقع نفسه: أداء متذبذب، حلول مؤقتة، وأمل معلّق على لحظة لا تأتي؛ ليس لأن اللاعبين يفتقدون الرغبة، بل لأن المسار نفسه يبدو غير مكتمل، وكأن المنتخب يتحرك بلا خارطة طويلة المدى، من هنا، لا يصبح الحديث عن الخروج من بطولة العرب حدثًا استثنائيًا، بل حلقة جديدة في سلسلة أطول، تفرض سؤالًا صريحًا لا يمكن تأجيله أكثر: هل نملك اليوم مشروعًا حقيقيًا لصناعة منتخب قادر على المنافسة، أم أننا ما زلنا نعيش على ردود الأفعال؟
- من تنظيم بطولة إلى صناعة جيل.. 9 سنوات فاصلة
الفترة من 2025م تقريبًا حتى 2032م هي "النافذة الذهبية" لتكوين جيل 2034م؛ اللاعب الذي سيقود المنتخب في المونديال سيكون اليوم بين 12 و18 عامًا؛ أي أنه يعيش الآن في الأكاديميات، مدارس التعليم العام، وبعضه ربما في الأحياء والملاعب الترابية.
من هنا، يصبح الحديث عن "صناعة لاعب للمونديال" ليس شعارًا، بل مشروع دولة يربط بين الاتحاد السعودي، الأندية، وزارة التعليم، وزارة الرياضة، وحتى برامج اكتشاف المواهب في الأحياء والقرى، إذا لم يتحول هذا الملف إلى مشروع وطني مترابط، سنذهب إلى 2034 بمنتخب يعيش على اجتهادات فردية، لا على منظومة مدروسة.
- ألمانيا.. حين تتحول الصدمة إلى مشروع دولة
بعد الخروج المهين من يورو 2000م، قرر الألمان أن المشكلة ليست في "جيل سيئ"، بل في منظومة لم تعد تواكب كرة القدم الحديثة، إذ إنه خلال عامي 2001م–2002م أطلق الاتحاد الألماني لكرة القدم برنامجًا موسعًا لتطوير المواهب، فرض فيه على أندية "البوندسليغا" والدرجة الثانية إنشاء أكاديميات رسمية معتمدة كشرط للحصول على رخصة المشاركة، مع شبكة مراكز إقليمية للتعرف على المواهب من سن مبكرة، لم يكن الإنجاز في إنشاء مبانٍ جديدة فقط، بل في فلسفة كاملة تمثلت في أن كل نادٍ محترف مُلزَم بأكاديمية بمقاييس محددة، وشبكة كشّافين ومراكز تدريب محلية تغطي البلد بأكمله، لا تترك المواهب حبيسة الأحياء والمدارس، وربط واضح بين ما تريد "المنتخبات" وما تنفّذه "الأندية"، خطة فنية مركزية، مع حرية أسلوب لكل نادٍ ولكن ضمن إطار عام، إلى جانب اهتمام متوازٍ بالتعليم المدرسي للاعب الشاب، حتى لا يدفع ثمن اختياره لكرة القدم على حساب مستقبله التعليمي.
نتيجة هذا العمل لم تظهر في سنتين أو ثلاث، لكنها أنتجت جيلًا وصل إلى نهائي يورو 2008م، نصف نهائي 2010م و2012م، ثم تُوّج بكأس العالم 2014م، مع وجود عشرات اللاعبين الذين تخرّجوا من هذه المنظومة، والدرس الأهم هنا من ألمانيا "حين تتعامل مع "تطوير اللاعب" كمشروع وطني طويل المدى، تصبح البطولات مجرد محطة على طريق بدأ قبل عشر سنوات على الأقل.
- فرنسا.. مدرسة اللاعب المتكامل
فرنسا لم تبنِ قوتها على جيل 1998م فقط، بل على منظومة مدرسية–فنية متجذرة، إذ إن الاتحاد الفرنسي يدير ما يمكن وصفه بـ"خريطة مواهب" تغطي البلاد، تتمثل في اكتشاف ممنهج للاعبين من سن 13 تقريبًا، ثم توجيه أفضل العناصر إلى مراكز تدريب وطنية وإقليمية، أشهرها مركز "كليرفونتين" الذي خرج أسماء مثل أنيلكا، هنري، مبابي، وغيرهم.
النهج الفرنسي يركز على ما يسمونه "المشروع المزدوج"، لاعب يتدرّب يوميًا لكنّه يواصل تعليمه بشكل منظم، بهدف صناعة لاعب محترف وإنسان متوازن في الوقت نفسه، برامج الاتحاد تركّز على 4 محاور رئيسية: تطوير المنشآت، تحديث المناهج التدريبية، تحسين آليات اكتشاف المواهب، وتعزيز تأهيل المدربين.
الدرس من فرنسا: قيمة اللاعب لا تُقاس بقدرته على المراوغة فقط، بل بقدرته على اتخاذ القرار، تحمل المسؤولية، التعلّم، وضبط السلوك داخل منظومة احترافية كاملة، هذا لا يأتي من التدريبات وحدها، بل من بيئة تعليمية–تربوية تسند مشروع الأكاديمية.
- اليابان.. حين تتحول كرة القدم إلى رؤية 100 عام
اليابان لم تبحث عن "اختصار الطريق"، عندما أُنشئت رابطة الدوري الياباني المحترف (J.League)، تبنّت ما يُعرف بـ"رؤية المئة عام"، هدفها أن تمتلك البلاد دوريًا مستدامًا، وقاعدة أندية واسعة، وأن تصل – في أفق 2092م – إلى القدرة على الفوز بكأس العالم عبر منظومة متكاملة من الأندية والمنتخبات؛ الرؤية اليابانية ربطت بين 3 أبعاد: التنافسية، الجانب التجاري، والدور المجتمعي؛ بحيث يصبح النادي جزءًا من المدينة، والمدرسة جزءًا من منظومة صناعة اللاعب، والدوري جزءًا من مشروع وطني في الصحة والهوية والاقتصاد.
الدرس من اليابان: إذا كنت تريد أن تبني منتخبًا قويًا بعد 10 سنوات، فعليك أن تفكر في "منظومة" لا في "قائمة لاعبين"، اللاعب نتيجة طبيعية لرؤية طويلة المدى، لا قرارًا إداريًا قبل بطولة.
- أين نقف سعوديًا اليوم؟
السعودية اليوم على موعد مع كأس عالم تاريخي، وفي الوقت ذاته تعيش واحداً من أسرع التحولات في كرة القدم العالمية: استثمارات ضخمة في الدوري، حضور نجوم عالميين، خطط لاستضافة بطولات كبرى، كل هذا يمنحنا فرصة ذهبية، لكنه في الوقت ذاته يضعنا أمام مسؤولية مضاعفة؛ فالبنية التحتية يمكن إنجازها بقرارات وتمويل ووقت، أما "البنية البشرية" للاعب السعودي فتحتاج إلى تراكم سنوات من العمل الصبور، ويمكن القول إن لدينا اليوم عناصر قوية: دوري يتطور، أندية تمتلك موارد، حضور فني كبير من مدربين ولاعبين عالميين، وحالة شغف جماهيرية غير مسبوقة، لكنّ السؤال: كيف نضمن أن هذه البيئة تخدم اللاعب السعودي تحديدًا، لا أن يمرّ من خلالها مرور الكرام؟
- خارطة طريق لصناعة "لاعب 2034" السعودي
لكي نصل إلى 2034م بمنتخب سعودي "مختلف جذريًا"، لا يكفي أن نرفع سقف التوقعات؛ لابد من ملامح واضحة لخطّة عملية. يمكن تلخيص أهم مداخلها في 4 محاور متكاملة، مع التأكيد أن التنفيذ يحتاج إلى تفاصيل أعمق مما يسمح به تقرير صحفي، مثل مشروع وطني للأكاديميات… برخصة ومعايير، إذ إن الخطوة الأولى هي أن تصبح الأكاديمية جزءًا من "رخصة النادي" في دوري روشن ودوري الدرجة الأولى، كما فعلت ألمانيا مع أندية "البوندسليغا"، أي نادٍ يريد اللعب في قمة الهرم، يجب أن يثبت أنه يستثمر فعليًا في قمة الهرم المعاكس: الناشئين والشباب، وهذا يعني، مقرّات تدريب مخصّصة للفئات السنية، عدد معيّن من المدربين المرخّصين لكل مرحلة، برامج تدريب موحدة الإطار، مع مرونة في التفاصيل، وتقارير دورية فنية عن تطور اللاعبين، مرتبطة بقواعد بيانات في الاتحاد، ووجود هذا الإلزام سيحوّل الأكاديمية من "ملف ثانوي" إلى جزء من الهوية الرسمية لكل نادٍ.
ربط المدرسة بالملعب.. لا فصل التعليم عن الموهبة
إحدى أخطر الفجوات في منطقتنا هو أن اختيار كرة القدم قد يعني – ضمنيًا – التضحية بمسار تعليمي مستقر، إذ التجارب الأوروبية واليابانية أثبتت أن أفضل لاعب هو من يملك مسارًا تعليميًا موازيًا؛ لأنه أكثر وعيًا واتزانًا واستعدادًا للتعامل مع الضغط، ويمكن للسعودية أن تطلق نموذج "مدارس رياضية متخصصة" بالتعاون بين وزارة التعليم والاتحاد والأندية "مدارس حكومية أو أهلية مسارها التعليمي متكامل، لكنها تمنح لاعبي الأكاديميات جداول زمنية مرنة، وخدمات دعم أكاديمي، وبرامج تثقيف مالي ونفسي وصحي" بهذه الطريقة لا يدفع اللاعب الصغير ثمن موهبته، ولا تضطر أسرته إلى الاختيار بين "المدرسة" و"النادي".
صناعة دقائق اللعب..
لا الاكتفاء بإنتاج اللاعبين
كل ما سبق لا قيمة له إذا بقي اللاعب حبيس الدكة، تحتاج المنظومة إلى تصميم ذكي لمعادلة مشاركة اللاعب السعودي، لا يتعارض مع طموح الدوري في استقطاب النجوم العالميين، لكنه يخلق مسارًا واضحًا لظهور المواهب المحلية، ويمكن التفكير – مثلًا – في "حوافز مالية للأندية التي تمنح عددًا معيّنًا من الدقائق للاعبين المحليين تحت 23 عامًا في الدوري، مؤشرات أداء تفضّل الأندية التي تخرّج لاعبين للمنتخب في برامج الدعم والتصنيف، وتطوير دوري رديف قوي أو دوري تحت 21 عامًا بمستوى تنافسي عالٍ، ليضمن أن اللاعب الذي لا يشارك مع الفريق الأول لا يفقد نسق المباريات"، بهذه الأدوات، تصبح "الدقيقة" جزءًا من السياسة الفنية والمالية للنادي، لا قرارًا فرديًا لمدرب يعيش تحت ضغط النتائج فقط.
مدرب سعودي مختلف…
لأن اللاعب الجيد يحتاج من يقوده
لا يمكن أن نتحدث عن لاعب سعودي جديد بعقلية احترافية حديثة، بينما يظل ملف المدرب السعودي في الخلفية، التجارب الألمانية والفرنسية قامت على ثورة في تأهيل المدربين؛ برامج رخص متقدمة، تعليم مستمر، ارتباط بين المدرب والأكاديمية والمنتخبات، والسعودية اليوم تملك عددًا من المدربين الواعدين، لكنّ المرحلة المقبلة تتطلب مضاعفة عدد المدربين السعوديين الحاصلين على أعلى الرخص القارية والعالمية، برامج ابتعاث فني، ليس فقط للاعبين بل للمدربين، للعيش داخل بيئات أكاديمية أوروبية وآسيوية متقدّمة، ودمج المدرب السعودي في الأجهزة الفنية للمنتخبات والأندية الكبيرة بصورة ممنهجة، لا شكلية، عندما يتخرّج لاعب من أكاديمية سعودية، يجب أن يجد أمامه مدربًا قادرًا على فهم "نسخته الجديدة"، لا أن يعيده إلى أساليب قديمة تتصادم مع كل ما تعلمه.
- ما بعد 2034..
هل تكون البطولة نقطة نهاية أم نقطة بداية؟
المونديال على أرضنا في 2034م محطة تاريخية، لكنّ الخطر الحقيقي أن نتعامل معها كمحطّة ذروة تنتهي بعدها الحكاية، إذ إن الفلسفة الأصح أن ننظر إلى 2034م بوصفها "الاختبار الأول لجدّية المشروع"، وليس خاتمته، إذا بدأنا من الآن بتأسيس مشروع وطني لصناعة اللاعب السعودي، مستفيدين من دروس ألمانيا وفرنسا واليابان، يمكن أن يكون منتخب 2034م هو "النسخة الأولى" من جيل جديد، لا "فرصة وحيدة" لن تتكرر.
- الطريق إلى 2034 يبدأ اليوم..
في حصة تدريب لفئة 13 سنة
في النهاية، اللاعب الذي سيرفع رأسه في النشيد الوطني أمام العالم في افتتاح مونديال 2034م قد يكون الآن في مدرسة متوسطة، أو يلعب في حيّ لم يزره كشاف بعد، أو في أكاديمية ما زالت لا تملك برنامجًا مكتملًا، لدينا الوقت، ولدينا الموارد، ولدينا الحلم، لكن ما ينقصنا – حتى الآن – هو أن تتحول كل هذه العناصر إلى مشروع واضح لصناعة لاعب سعودي جديد " لاعب يفكر بطريقة مختلفة، يتدرّب بطريقة مختلفة، ويحظى بفرصة حقيقية لتمثيل بلده في لحظة تاريخية لن تتكرر كثيرًا".
رسالة أخيرة: إذا أردنا أن نكون أبطال قصة 2034م، يجب أن نبدأ بكتابة فصل 2025م و2026م و2027م كما يجب.. ففي كرة القدم، من لا يخطط للجيل المقبل، سيكتشف متأخرًا أن البطولة مرّت من أمامه وهو لا يزال يعيش على ذكريات الماضي.
إقرأ المزيد


