ثروات تحت الأرض.. كيف تصنع المملكة اقتصادًا فوقها؟
جريدة الرياض -

لا تُقاس القوة الاقتصادية للثروات المعدنية بحجم ما يوجد تحت الأرض وحده، بل بقدرة الاقتصاد على تحويل هذه الموارد إلى منتجات وصناعات ووظائف وصادرات. فالمعادن تمنح الدول فرصة للنمو، لكن حجم الاستفادة منها يتوقف على كفاءة الاستثمار، وتطور الصناعة، والقدرة على الوصول إلى الأسواق. ومن هذه الزاوية، تكشف إحصاءات الثروة المعدنية السعودية لعام 2025 عن قاعدة مهمة لبناء مصادر جديدة للدخل، وتوسيع مساهمة الأنشطة الإنتاجية في الاقتصاد الوطني. وبرؤية اقتصادية، فإن أهمية التعدين تتجاوز إيرادات استخراج المعادن وبيعها؛ إذ يمكن أن يحرك استثمارات واسعة في النقل والطاقة والخدمات الهندسية والمعدات والصيانة. وكل مشروع تعديني قادر على خلق طلب على أنشطة أخرى، بما يفتح المجال أمام القطاع الخاص والمنشآت الصغيرة والمتوسطة للمشاركة. وعندما تتوسع هذه الروابط داخل المملكة، يرتفع الأثر الاقتصادي للاستثمار، وتبقى حصة أكبر من الإنفاق والعوائد داخل الاقتصاد المحلي. وتكمن الفرصة الأكبر في ربط المناجم بالمصانع، وتحويل الموارد المعدنية إلى منتجات أعلى قيمة، بدل الاكتفاء بالمراحل الأولى من الإنتاج. فالتوسع في المعالجة والتصنيع يمكن أن يزيد العائد من الموارد، ويوفر وظائف تتطلب مهارات فنية وهندسية، ويدعم نقل المعرفة والتقنية. غير أن تحقيق ذلك يحتاج إلى اختيار الصناعات التي تمتلك مقومات المنافسة، من حيث التكلفة والجودة والطاقة وحجم الطلب، حتى يقوم النمو على جدوى اقتصادية واضحة. كما يتيح تطوير القطاع فرصة لتنويع الصادرات، وتوفير بعض احتياجات الصناعة المحلية، وتوسيع النشاط الاقتصادي في المناطق القريبة من مواقع التعدين. ويمكن لهذا التوسع أن يدعم تنمية أكثر انتشارًا، حين يرتبط بتدريب الكفاءات الوطنية، وتطوير الموردين المحليين، وتحسين البنية الأساسية. وهنا تظهر قيمة التعدين بوصفه قطاعًا قادرًا على بناء أنشطة اقتصادية حوله، تستفيد منها المجتمعات المحلية إلى جانب الشركات المستثمرة. وتعكس زيادة الرخص التعدينية واتساع قاعدة المواقع المكتشفة تقدمًا في تهيئة فرص الاستثمار، لكن قياس النجاح يتطلب متابعة انتقال هذه الفرص إلى مشروعات منتجة. فالرخصة بداية لمسار اقتصادي، والاكتشاف يحتاج إلى دراسات تثبت إمكانية استغلاله بتكلفة مناسبة. لذلك، تصبح جودة البيانات، وتوافر التمويل، واستقرار الإجراءات، وكفاءة التشغيل عوامل أساسية لتحويل الإمكانات إلى إنتاج وعوائد مستدامة.ومن هذا المنطلق، يمثل التعدين أحد المسارات المهمة لدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص. ويظل الرهان الاقتصادي الأهم هو زيادة القيمة التي تحققها المملكة من مواردها، عبر تكامل الاستخراج والتصنيع والخدمات والتصدير. فكلما نجحت هذه المنظومة في رفع الإنتاجية وتوسيع المحتوى المحلي، أصبحت الثروة المعدنية مصدرًا أعمق للنمو، وأكثر قدرة على بناء فرص تستمر للأجيال المقبلة.

توضح البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء أن المملكة تمتلك قاعدة معدنية واسعة، تضم 5,680 موقع تمعدن مكتشفًا، إلى جانب 2,925 رخصة تعدين سارية. وهذه الأرقام تعكس اتساع مجال النشاط، لكنها لا تعني أن جميع المواقع أصبحت مناجم منتجة، أو أن كل رخصة تحولت إلى مشروع ناجح. فبين اكتشاف المعدن وبيع المنتج رحلة طويلة، تشمل الدراسات والتمويل والبنية الأساسية والتشغيل، ثم الوصول إلى الأسواق.

اقتصاديًا، تبدأ أهمية التعدين من علاقته بالقطاعات الأخرى. فالمنجم يحتاج إلى طرق وكهرباء ومياه ومعدات وخدمات هندسية ونقل وصيانة. وعندما تتوافر هذه الاحتياجات محليًا، تتوزع فوائد المشروع على شركات وعاملين في مجالات متعددة. لذلك، فإن أثر التعدين يمكن أن يتجاوز إيرادات بيع المعادن، ليصبح مصدرًا لتنشيط الاستثمار الخاص، وتوسيع الطلب على الخدمات، وفتح فرص اقتصادية في مناطق قريبة من مواقع الإنتاج.

ويبرز نمو الرخص التعدينية بوصفه أحد المؤشرات المهمة في التقرير. فقد ارتفع عددها من 2,401 رخصة في عام 2024 إلى 2,925 رخصة في عام 2025، بزيادة تقارب 21.8%. ويشير هذا الارتفاع إلى توسع النشاط المرخص، لكنه يحتاج إلى متابعة ما يحدث بعد إصدار الرخصة. فالمعيار الأهم هو عدد المشروعات التي تبدأ العمل، وحجم استثماراتها، وقدرتها على الإنتاج بكفاءة وتحقيق عائد اقتصادي مناسب.

جودة المشروعات

ولهذا، فإن المرحلة التالية تتطلب التركيز على جودة المشروعات وسرعة انتقالها من الدراسة إلى التنفيذ. فقد يحصل المستثمر على رخصة، ثم يواجه صعوبة في التمويل أو ارتفاعًا في تكلفة الخدمات أو تحديات فنية. وكلما كانت المعلومات الجيولوجية أوضح، والإجراءات أكثر استقرارًا، والخدمات الأساسية أقرب، ارتفعت قدرة المستثمر على اتخاذ القرار. وهذا يقلل الوقت الضائع، ويساعد على توجيه الأموال إلى المشروعات الأكثر جدوى.

أما احتياطيات الذهب، التي بلغت 16.68 مليون أوقية، فتمنح القطاع قاعدة مهمة للتوسع المحتمل. غير أن حجم الاحتياطي وحده لا يكفي لتقدير الأرباح المستقبلية. فالنتائج تعتمد على تكلفة استخراج الأوقية، ونسبة المعدن في الخام، وحجم الاستثمار المطلوب، وسعر البيع عند الإنتاج. وقد يمتلك مشروع احتياطيات كبيرة، لكنه يحتاج إلى إنفاق مرتفع يجعل عائده أقل من مشروع أصغر وأكثر كفاءة في التشغيل.

وتظهر البيانات أيضًا احتياطيات تبلغ 1.85 مليون طن من الزنك، و0.72 مليون طن من النحاس. وتكمن أهمية هذه المعادن في ارتباطها باستخدامات صناعية واسعة. فالنحاس يدخل في الأسلاك والمعدات الكهربائية، بينما يُستخدم الزنك في حماية الحديد من التآكل وصناعات أخرى. ومن هنا، يمكن النظر إلى هذه الاحتياطيات بوصفها قاعدة محتملة لتطوير أنشطة صناعية محلية، بشرط توافر الجدوى والأسواق والتقنيات المناسبة.

وتزداد القيمة الاقتصادية عندما تتحول المعادن إلى منتجات أعلى تصنيعًا. فبيع الخام يحقق دخلًا، لكن معالجته وتحويله إلى مواد أو مكونات صناعية قد يفتحان مصادر إضافية للإيرادات والتوظيف. إلا أن هذا الانتقال يحتاج إلى اختيار مدروس. فليس كل نشاط تصنيعي مناسبًا لمجرد توافر المعدن، بل يجب أن تتوافر الطاقة والمهارات وحجم الطلب والقدرة على المنافسة، حتى يستمر المشروع دون اعتماد دائم على الدعم.

وفي التجارة الخارجية، بلغت صادرات المعادن ومصنوعاتها نحو 22 مليون طن، مقابل واردات بلغت 30 مليون طن خلال عام 2025. وهذه المقارنة تعكس اختلافًا في الكميات، لكنها لا تكفي للحكم على الميزان التجاري بالقيمة. فقد يكون الطن المستورد أعلى سعرًا من الطن المصدر، أو العكس. لذلك، يحتاج التحليل الكامل إلى معرفة الأسعار ونوع المنتجات ومستوى تصنيعها، وليس الاكتفاء بوزن الشحنات الداخلة والخارجة.

كما أن ارتفاع الواردات لا يحمل دلالة سلبية بالضرورة. فقد يعكس زيادة احتياجات البناء والتصنيع والمشروعات الجديدة، وقد يشير في بعض المنتجات إلى فرص لتوسيع الإنتاج المحلي. والفصل بين الاحتمالين يتطلب دراسة تفصيلية للطلب. فالواردات التي تخدم نشاطًا إنتاجيًا متناميًا تختلف عن الواردات التي يمكن توفير بديل محلي منافس لها. ولهذا يجب أن تقوم قرارات الاستثمار على فهم السوق، لا على حجم الاستيراد وحده.

وتقدم الأسمدة الفوسفاتية مثالًا واضحًا على مجال يتمتع بحضور تصديري قوي من حيث الكميات. فقد بلغت صادراتها 6.437 مليون طن، مقابل واردات بلغت 54 ألف طن. ويكشف هذا الفارق عن قدرة إنتاجية تخدم أسواقًا خارجية، ويتجاوز دورها تلبية الاحتياجات المحلية. كما يوضح أهمية الربط بين المورد المعدني والتصنيع والخدمات اللوجستية، بما يسمح بتحويل الثروة الطبيعية إلى منتج قابل للتسويق على نطاق واسع.

ويظهر اتجاه مشابه في النحاس، إذ بلغت صادراته 336 ألف طن، مقابل واردات بلغت أربعة آلاف طن. كما وصلت صادرات الزنك إلى 119 ألف طن، مقابل واردات تقارب 0.28 ألف طن. وتمنح هذه الأرقام أساسًا لدراسة فرص المعالجة والتصنيع، لكنها لا تحدد وحدها حجم الفرصة. فمن الضروري معرفة طبيعة المواد المصدرة، وما إذا كانت خامات أو منتجات معالجة، قبل اقتراح صناعات جديدة مرتبطة بها.

وفي الألومنيوم الخام، بلغت الصادرات 191 ألف طن، مقابل واردات بلغت 222 ألف طن. وتقارب الكميتين يوضح أهمية النظر إلى تفاصيل التجارة بدل قراءة الإجمالي فقط. فقد تختلف المواصفات والجودة والاستخدامات والتوقيت بين الصادرات والواردات. ويمكن أن يصدر الاقتصاد نوعًا معينًا، ويستورد نوعًا آخر تحتاجه المصانع. ولذلك، فإن تطوير الصناعة يتطلب تحديد المنتجات المطلوبة بدقة، وربط التوسع الإنتاجي باحتياجات العملاء الفعلية.

أما الحديد، فقد بلغت وارداته 1.86 مليون طن، مقابل صادرات بلغت 20 ألف طن. ويستحق هذا الفارق دراسة أنواع المنتجات المستوردة، ومدى قدرة المصانع المحلية على توفيرها بأسعار وجودة مناسبة. وقد تكون الفرصة في منتج متخصص أو مرحلة معالجة محددة، أكثر من كونها في زيادة الإنتاج العام. فالاستثمار الناجح يبدأ من فجوة واضحة في السوق، ثم يبني قدرته على خدمتها بكفاءة واستمرار.

وفي المعادن الثمينة، بلغت واردات الذهب 94 طنًا مقابل صادرات بلغت 20 طنًا، بينما بلغت واردات الفضة 123 طنًا مقابل صادرات بلغت ثلاثة أطنان. ولا يصح اعتبار هذه الفروق دليلًا مباشرًا على ضعف الاستخراج المحلي. فالتجارة تتأثر بالطلب والمخزون وأشكال المنتجات واستخداماتها. كما أن الاحتياطيات الموجودة في الأرض تختلف عن الإنتاج السنوي، ويختلف كلاهما عن حركة الاستيراد والتصدير خلال سنة واحدة.

ومن الجوانب المهمة كذلك توزيع الأثر الاقتصادي على المناطق. فوجود مشروع تعديني يمكن أن يخلق طلبًا محليًا على السكن والنقل والخدمات والمقاولين. لكن تعظيم الفائدة يتطلب مشاركة المنشآت المحلية وتطوير مهارات السكان. وعندما تبقى المنطقة مجرد موقع للاستخراج، يكون أثر المشروع محدودًا نسبيًا. أما عندما تنشأ حوله أعمال وخدمات ومهارات، فإنه يصبح مركزًا لنشاط اقتصادي أوسع وأكثر قدرة على الاستمرار.

ويحتاج هذا التوسع إلى تمويل يناسب طبيعة التعدين، لأن المشروعات قد تتطلب سنوات قبل تحقيق الإيرادات. كما يحتاج إلى إدارة مسؤولة للمياه والطاقة والمخلفات وإعادة تأهيل المواقع. فالكفاءة البيئية والتشغيلية تؤثر في تكلفة المشروع وقدرته على الاستمرار. ومن الأفضل إدراج هذه المتطلبات في الدراسة منذ البداية، حتى تكون الأرباح المتوقعة مبنية على حساب شامل للتكاليف والالتزامات طوال عمر المشروع.

وتشير قراءة هذه المؤشرات إلى أن فرصة السعودية تتجاوز زيادة كميات المعادن المستخرجة. فالفرصة الأوسع هي بناء علاقة أقوى بين الاستكشاف والإنتاج والتصنيع والخدمات والتصدير. وعندها يصبح نجاح القطاع مرتبطًا بقيمة ما يضيفه للاقتصاد: وظائف نوعية، وموردون محليون، ومنتجات أكثر تنافسية. فالثروة تحت الأرض تمنح البداية، أما القدرة على تحويلها إلى نشاط منتج ومستدام، فهي التي تصنع الفارق فوق الأرض.



إقرأ المزيد