«الربح في المشترى».. الصالات الاقتصادية تعيد رسم خريطة تجارة التجزئة
جريدة الرياض -

"الربح في المشترى وليس في البيع".. مقولة تجارية قديمة تعود اليوم إلى واجهة أسواق التجزئة، مع انتشار "الصالات الاقتصادية" التي استطاعت تقديم السلع الغذائية والاستهلاكية بأسعار تقل عن نظيراتها في بعض المتاجر التقليدية، لتفتح باب التساؤلات حول أسرار هذه التجارة، وكيف يتمكن أصحابها من شراء المنتجات بأسعار تنافسية وبيعها بهوامش ربح محدودة، في وقت تواجه فيه الأسواق تحديات متزايدة تتعلق بتكاليف "التشغيل والمنافسة الشديدة وتوسع التجارة الإلكترونية".

وشهدت أسواق التجزئة خلال الفترة الأخيرة توسعًا ملحوظًا في حضور "الصالات الاقتصادية"، التي تعتمد على توفير احتياجات الأسرة اليومية تحت سقف واحد، بدءًا من المواد الغذائية والمنظفات والأدوات المنزلية، وصولًا إلى المنتجات الاستهلاكية المتنوعة، بأسعار تستهدف المستهلك الباحث عن التوفير، خصوصًا مع تنامي الوعي بأهمية إدارة الميزانية المنزلية وترشيد الإنفاق.

ولعل أبرز ما يميز هذه الصالات قدرتها على تغيير المعادلة الشرائية لدى المستهلك، إذ أصبحت المبالغ التي كانت لا تكفي سابقًا لتغطية احتياجات منزلية محدودة قادرة، في بعض الحالات، على توفير سلة أكبر من المنتجات، الأمر الذي جعل هذه الأسواق وجهة جاذبة لشريحة واسعة من الأسر، وطرح تساؤلًا حول الفوارق السعرية بين منافذ البيع المختلفة.

أسرار الأسعار المنخفضة

وتقوم فلسفة الصالات الاقتصادية على تحقيق الربح من خلال الشراء الذكي قبل الوصول إلى مرحلة البيع، حيث يسعى أصحابها إلى الحصول على المنتجات بأقل تكلفة ممكنة، سواء بالتعامل المباشر مع "المصانع والموردين"، أو شراء كميات كبيرة بأسعار الجملة، أو الاستفادة من العروض التجارية والتصفيات التي تقدمها الشركات والموزعون.

كما تعتمد بعض هذه الأنشطة على تقليص المصروفات التشغيلية، من خلال اختيار مواقع بإيجارات مناسبة، وتقليل تكاليف الديكورات والتجهيزات، والاعتماد على أساليب عرض بسيطة، إلى جانب تسريع دوران المخزون، بما يسمح بتحقيق أرباح تراكمية من كثافة المبيعات بدلًا من الاعتماد على هامش ربح مرتفع لكل منتج.

وتبرز هنا معادلة تجارية مختلفة، فالتاجر الذي يبيع آلاف المنتجات بهامش ربح محدود قد يحقق عائدًا مجزيًا مقارنة بمن يبيع كميات أقل بهوامش مرتفعة، شريطة المحافظة على حجم المبيعات وضبط المصروفات وتجنب تراكم البضائع.

منافسة المتاجر الكبرى

ويأتي توسّع "الصالات الاقتصادية" في ظل منافسة قوية تشهدها تجارة التجزئة، سواء من المتاجر الكبرى التي تمتلك قدرات شرائية وتسويقية واسعة، أو منصات التجارة الإلكترونية التي تقدم العروض والتخفيضات وخدمات التوصيل، ما يضع أصحاب الصالات أمام تحدي المحافظة على الأسعار المنخفضة دون التأثير على جودة المنتجات أو استدامة النشاط.

وتتمثل إحدى المزايا التنافسية لهذه الصالات في تمكين المستهلك من معاينة المنتجات والحصول عليها مباشرة، دون تحمل رسوم التوصيل أو انتظار وصول الطلبات، إلى جانب إمكانية شراء احتياجات متنوعة في زيارة واحدة.

وفي المقابل، تظل المتاجر الإلكترونية منافسًا قويًا بفضل سهولة المقارنة بين الأسعار واتساع الخيارات، الأمر الذي يدفع الصالات الاقتصادية إلى تطوير أساليبها التسويقية، وتعزيز حضورها الرقمي، والاستفادة من منصات التواصل الاجتماعي في الإعلان عن العروض واستقطاب المتسوقين.

الشراء المباشر وتدوير المخزون

ويرى مهتمون بقطاع تجارة التجزئة أن نجاح نموذج "الصالات الاقتصادية" يرتبط بقدرة التاجر على إدارة سلسلة الإمداد بكفاءة، وليس بمجرد تخفيض الأسعار، موضحين أن التفاوض مع الموردين، والشراء في التوقيت المناسب، واختيار المنتجات ذات الطلب المرتفع، تمثل عناصر أساسية في تعزيز الربحية.

ويشيرون إلى أن بعض التجار يستطيعون الاستفادة من فروقات الأسعار بين الموردين والأسواق، إلى جانب الحصول على خصومات مقابل الشراء بكميات كبيرة أو السداد المبكر، وهو ما يمنحهم مساحة لتمرير جزء من هذه الوفورات إلى المستهلك.

ويؤكدون أن انخفاض الأسعار لا يعني بالضرورة ضعف الجودة، إلا أن المستهلك مطالب بالتحقق من تواريخ الصلاحية ومواصفات المنتجات ومقارنة الأسعار بحسب الأوزان والكميات، خصوصًا أن بعض العروض قد تتعلق بمنتجات محدودة الطلب أو قريبة من انتهاء صلاحيتها.

أصحاب الصالات: الكمية تصنع الأرباح

ومن جانبهم، يوضح أصحاب "صالات اقتصادية"، في عرض لطبيعة هذا النموذج التجاري، أن المنافسة لم تعد قائمة على تحقيق أعلى ربح من السلعة الواحدة، وإنما على زيادة عدد المتسوّقين وتسريع حركة البيع وتكرار عمليات الشراء.

ويبينون أن المحافظة على الأسعار الجاذبة تتطلب متابعة مستمرة لأسعار الموردين، والبحث عن فرص الشراء المناسبة، وتجنب التخزين الطويل الذي يستهلك السيولة ويرفع التكاليف.

كما يشيرون إلى أن ارتفاع الإيجارات وأجور العاملين وتكاليف النقل والتخزين يمثل تحديًا أمام استمرارية الأسعار المنخفضة، فضلًا عن المنافسة مع "السلاسل التجارية الكبرى والمتاجر الإلكترونية"، التي تمتلك إمكانات تسويقية وقدرات تفاوضية كبيرة.

مستقبل تجارة التجزئة

ويفتح انتشار الصالات الاقتصادية مرحلة جديدة من المنافسة السعرية في السوق، يكون المستهلك المستفيد الأول منها متى اقترنت الأسعار المناسبة بجودة المنتجات ووضوح العروض.

وفي ظل التحولات المتسارعة في أنماط التسوّق، يبدو أن نجاح تجارة التجزئة لم يعد مرهونًا بفخامة صالات العرض أو ضخامة الحملات الإعلانية، بقدر ما أصبح مرتبطًا بقدرة التاجر على الشراء بـ"كفاءة، وإدارة المخزون، وفهم احتياجات المستهلك". وبين المتاجر التقليدية والمنصات الإلكترونية والصالات الاقتصادية، تظل المقولة التجارية القديمة حاضرة بقوة: "الربح في المشترى وليس في البيع"، باعتبارها إحدى أهم القواعد التي قد تحدد مستقبل المنافسة في أسواق التجزئة.



إقرأ المزيد