جريدة الرياض - 10/1/2026 2:15:06 PM - GMT (+2 )
يعكس البيان التمهيدي للميزانية العامة للدولة لعام 2027، الصادر للعام التاسع على التوالي، توجه المملكة نحو الموازنة بين دعم النمو الاقتصادي والمحافظة على الاستدامة المالية، في ظل تحديات عالمية تشمل التوترات الجيوسياسية، والقيود التجارية، وارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف النقل، واضطرابات سلاسل الإمداد. وتستند تقديرات البيان إلى إدارة الموارد بكفاءة، وتوجيه الإنفاق نحو الأولويات الوطنية، وتنويع مصادر الدخل، بما يدعم مستهدفات رؤية السعودية 2030 في مرحلة تعظيم الأثر واستدامته.
وتشمل التوجهات الاستراتيجية تحسين جودة الحياة والخدمات الأساسية، وتنمية رأس المال البشري، وتوفير فرص العمل النوعية، وتطوير برامج الحماية الاجتماعية لضمان وصول الدعم إلى مستحقيه. كما تركز على تحسين بيئة الأعمال والتشريعات، وتوسيع فرص الخصخصة، ورفع المحتوى المحلي، وتعزيز مشاركة القطاع الخاص، إلى جانب تفعيل دور صندوق الاستثمارات العامة وصندوق التنمية الوطني في تحفيز الاستثمار وتوسيع القاعدة الإنتاجية.
وقد أظهر الاقتصاد السعودي خلال عام 2026 قدرة على التكيف مع التطورات الإقليمية، مستفيدًا من الاستثمارات في البنية التحتية والطاقة والخدمات اللوجستية، والتي شملت دعم قطاعات النقل والصناعة والزراعة والأمن الغذائي والبتروكيماويات. هذا بالإضافة إلى إطلاق مبادرة المسارات اللوجستية لتعزيز استمرارية التجارة عبر النقل البري والسككي. وأسهم خط أنابيب شرق–غرب في استمرار الصادرات النفطية، بينما ارتفعت حصة موانئ البحر الأحمر والمنافذ البرية والجوية من الصادرات غير النفطية إلى 40.7%، ومن الواردات إلى 48.3% خلال مارس–مايو، مقارنة بنحو 19.3% و23.1% خلال يناير–فبراير.
وعلى صعيد الأداء المحلي، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 0.9% خلال النصف الأول من عام 2026، فيما نمت الأنشطة غير النفطية بنسبة 1.8%، وبلغت مساهمتها تاريخيًا ما نسبته 57.3% من الناتج الحقيقي. وارتفع الاستهلاك الخاص بنسبة 2.7%، ومبيعات نقاط البيع بنسبة 6.1%، وقيمة عمليات التجارة الإلكترونية بنسبة 36.9%. وبلغ صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية 23.1 مليار ريال خلال الربع الأول، وفائض الميزان التجاري السلعي 154.7 مليار ريال خلال النصف الأول، بنمو سنوي قدره 53.2%.
وسجل متوسط التضخم 1.8% حتى يوليو 2026، مع توقع بلوغه 2.1% للعام كاملًا. وانخفض معدل البطالة الإجمالي إلى 3% بنهاية الربع الثاني، بينما بلغ بين السعوديين 6.5%. وحافظت المملكة على تصنيفات ائتمانية مرتفعة عند «A+» لدى «فيتش» و«ستاندرد آند بورز»، و«Aa3» لدى «موديز»، مع نظرة مستقبلية مستقرة لدى الوكالات الثلاث، بما يعكس الثقة في مركزها المالي.
وتتوقع تقديرات البيان نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 12.8% في عام 2027، ثم 3.9% و5.7% في عامي 2028 و2029 على التوالي. ويُقدّر الناتج الاسمي بنحو 5,358 مليار ريال في 2027، و5,695 مليارًا في 2028، و5,869 مليارًا في 2029، مع استقرار التضخم حول 1.9% خلال هذه الأعوام.
وفي المالية العامة، يُتوقع أن تبلغ الإيرادات 1,202 مليار ريال في عام 2027، ثم 1,302 مليار في 2028 و1,351 مليارًا في 2029، مقابل نفقات تبلغ 1,392 مليار ريال و1,479 مليارًا و1,544 مليارًا على التوالي. ويُقدّر عجز الميزانية بنحو 191 مليار ريال في 2027، و177 مليارًا في 2028، و192 مليارًا في 2029. وقد ارتفعت الإيرادات غير النفطية من 166 مليار ريال في 2015 إلى 505 مليارات في 2025، مدعومة بالإصلاحات الهيكلية والتنويع الاقتصادي، بما أسهم في الحد من تأثر الإيرادات العامة بتقلبات أسواق النفط.
ويستهدف الإنفاق تعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي من البرامج والمشاريع، من خلال قياس أثره وربط تخصيص الموارد بالاستراتيجيات الوطنية، والاستفادة من الأصول الحكومية القائمة. ويتيح ترتيب الأولويات على المدى المتوسط توجيه الموارد إلى المجالات الأعلى أثرًا، مع الحفاظ على القدرة على الاستجابة للاحتياجات الطارئة. وتدعم هذه السياسة احتياطيات حكومية معتبرة، ومستويات مستدامة للدين، وتوسع مدروس في الاقتراض وفق استراتيجية الدين متوسطة الأجل، باستخدام قنوات تمويل محلية ودولية.
وتتمثل أبرز المخاطر التي تواجه المالية العامة في تراجع الطلب العالمي على النفط، واحتمال تباطؤ النشاط المحلي وتأثر الإيرادات غير النفطية، فضلًا عن استمرار السياسات الحمائية وارتفاع تكلفة التمويل وتعطل الممرات البحرية. وتؤكد هذه المخاطر أهمية الاستعداد المبكر للتغيرات الاقتصادية والجيوسياسية، وتطوير أدوات إدارة الموارد والتمويل بما يحافظ على قدرة الحكومة على تنفيذ التزاماتها ومشاريعها ذات الأولوية.
وفي ضوء ذلك، يقدم البيان التمهيدي لميزانية عام 2027 إطارًا لمواصلة التنمية ضمن سياسة مالية تراعي المتغيرات المحلية والعالمية. ويعزز تنامي الأنشطة غير النفطية واتساع القاعدة الاستثمارية فرص بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، فيما يظل الانضباط المالي وحسن توجيه الموارد عاملين أساسيين لاستدامة هذا التحول. ومن خلال الجمع بين الاستثمار في الإنسان وتطوير القطاعات الإنتاجية والمحافظة على مرونة المركز المالي، تمضي المملكة نحو تحقيق مستهدفاتها الوطنية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
إقرأ المزيد


