السياحة في دول الخليج ما بين الماضي والحاضر والمستقبل
جريدة الرياض -

لطالما اعتمد قطاع الضيافة على شبكات العلاقات، فصاحب الفندق على معرفة بالسائق الذي ينقل السيّاح، والمرشد السياحي يعرف المطاعم التي تناسب أذواقهم، والمضيف يدرك أن الزيارة المميزة ليست نتاج تجربة واحدة، بل ثمرة تكامل بين التجارب كلها.

وعلى الرغم من أن آليات السفر الحديثة أسهمت في تيسير تجربة الزائر، إلّا أن السائح ما زال مضطرًّا في أغلب الأحيان إلى تنسيق مختلف جوانب رحلته: فتراه ينتقل من منصة لحجز رحلات الطيران، إلى أخرى لحجز الفندق، وثالثة للنقل، وأخرى للتذاكر أو للمطاعم أو غيرها... لتتحوّل التجربة إلى أحجية؛ كلما غابت قطعة منها، زاد مستوى التعقيد بالنسبة إلى الزائر وخسرت الوجهة فرصة تجارية.

وفي الوقت الحاضر، لم يعد مستقبل السياحة في دول الخليج يعتمد على بناء المرافق أو التوسع بها، بل على إعادة إحياء واحدة من أعرق ركائز الضيافة العربية، ألا وهي بناء العلاقات، ومن ثمّ تسخير التكنولوجيا لتطبيقها على نطاق واسع.

ولا تقتصر هذه العلاقات على العمل مع الفنادق أو شركات الطيران أو الوجهات السياحية بصورة منفردة، بل أيضًا مع منصات الحجوزات والتنقل التي تربطها بملايين العملاء. وبدلًا من منافسة هذه المنصات، يمكن للوجهات الخليجية توظيفها كحلقة وصل تجمع مختلف الأطراف في رحلة واحدة متكاملة، من دون أن يفقد أي شريك دوره.

وهنا تكمن فرصة إنشاء منصة متكاملة لتجربة الزوّار («منصة تجربة الزائر»)، تربط بين مختلف محطات رحلة المسافر، وتمنح الوجهات رؤية شاملة حول احتياجات العملاء والفرص المحتملة لتحقيق الإيرادات.

الانتقال من منظومة الحجوزات المتعددة إلى منظومة الرحلات المتكاملة

بأبسط وصف، تُعد "منصة تجربة الزائر" بمثابة واجهة متكاملة للزوّار -من داخل الدولة أو خارجها- يتمكنون من خلالها اكتشاف الخيارات المتاحة، والتخطيط لرحلاتهم، وحجز الخدمات، واستكشاف الوجهات والتعرف عليها. وقد تأخذ المنصة شكل تطبيق رقمي في الوقت الحالي أو وكيل ذكي في المستقبل. وهنا يبرز عنصر آخر ذو أهمية جوهرية -إلى جانب التكنولوجيا المستخدمة- وهو شبكة العلاقات والاتفاقيات التجارية التي تضمن تحقيق قيمة مستدامة على المدى الطويل، وذلك من خلال توحيد وتنسيق الخدمات المجزأة متمثلةً في خدمات الإقامة، والنقل، وتذاكر الفعاليات، والمطاعم، والتجارب المختلفة.

وبمنظور عملي، فإن "منصة تجربة الزائر" هي النافذة التي ستجمع بين منصات الخدمات المختلفة.

تخيّلوا عائلة تصل إلى إحدى دول الخليج، فتبدأ رحلتها بحجز الفندق. ومن هذه النقطة، يتم تنظيم باقي التفاصيل مثل الانتقالات من المطار، وحجز تذاكر المتحف، والمطعم، والفعالية المسائية، وحتى خدمات رعاية الأطفال، وذلك بما يتناسب مع برنامج العائلة. وتتوفر هذه الخدمات كلها ضمن بطاقة رقمية واحدة أو رمز استجابة سريعة، بدلًا من أن تكون موزعة بين تطبيقات، ورسائل بريد إلكتروني، ورسائل تأكيد متعددة. وهنا، تجدر الإشارة إلى أنّ الغرض من "منصة تجربة الزائر" ليس استبدال المنصات التي يثق بها الزوّار، أو تحويل الشركاء المحتملين إلى منافسين؛ أو مزاحمة الأسواق التي طوّرتها الوجهات الخليجية على مدار العقود، بل هي منصة تهدف لتعزيز الربط والتكامل بينها. وبالتالي، ستواصل المنصات الحالية عملها من خلال تقديم العروض والخدمات، وإتمام الحجوزات، وإدارة الخدمات المتخصصة، في حين ستتولى المنصة الجديدة الربط بين كافة الخدمات التي يحتاج إليها الزوّار، كما ستُتيح إجراء معاملات إضافية في مختلف مراحل الرحلة.

المنصة بوصفها محرّك تجاري وليست مجرد تطبيق

تعتمد المنصات الحالية على الإحالات والحملات وغيرها من الأنشطة التسويقية لاستقطاب العملاء. ويمكن لمنصة تجربة الزائر الاستفادة من هذه النماذج التجارية، من خلال تحصيل الرسوم عند إتمام الحجوزات وتحقيق قيمة مضافة عبر ربطها بالخدمات المكمّلة لها. وبذلك، تسهم في تعزيز إنفاق الزوّار على فئات إضافية من الخدمات، وتحفزهم للاستعانة بخدماتها مرة أخرى، وتحرص على منحهم تجارب ما كانوا ليكتشفوها وحدهم.

فضلًا عن ذلك، قد تسهم المنصة في دفع عجلة السياحة الداخلية. فيستطيع السكان استخدامها لمعرفة وحجز الفعاليات والمطاعم وأنشطة الاستشفاء والترفيه والرحلات القصيرة، بما يشجع استخدامها المتكرر ويحافظ على الطلب خلال الفترات التي تتراجع فيها حركة السفر الدولي. وقد أفادت وزارة السياحة في المملكة العربية السعودية بأنّ عدد السيّاح المحليين بلغ 93.3 مليونًا، مقابل 29.3 مليون سائح وافد في عام 2025.

مقوّمات النجاح بمنطقة الخليج

تنطلق الوجهات الخليجية من واقع مختلف؛ إذ غالبًا ما تمتلك الحكومات والجهات المرتبطة بها عددًا كبيرًا من أهم الأصول – من شركات الطيران والمطارات إلى المتاحف والنقل العام والمؤسسات الثقافية والمعالم السياحية الرئيسية – أو تتمتع بنفوذ عليها، أو بالقدرة على توحيد وتنسيق جهودها. وهذا ما يوفّر المقوّمات الأساسية لتفعيل "منصة تجربة الزائر"، ثم تأمين مشاركة القطاع الخاص.

ومثال على ذلك أبوظبي التي أطلقت "دليل الجزر والرياضات المائية"؛ الذي يجمع خدمات متعددة ضمن منصة واحدة تشمل أكثر من 200 جزيرة. وكذلك المملكة العربية السعودية التي طوّرت منصة "نُسك" للحج والعمرة بهدف توحيد الخدمات الموزعة على جهات متعددة، فأصبحت تضم ما يزيد عن 51 مليون مستخدم في أكثر من 190 دولة. وفي حين أنّ هذين المثالين لا يعكسان النموذج المتكامل لـ"منصة تجربة الزائر"، إلا إنهما يوضحان كيفية الجمع بين الشركاء في منظومة موحدة من خلال التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص.

في مشهد تتغير به التكنولوجيا...تظل العلاقات راسخة

لا شك في أنّ الذكاء الاصطناعي سيغيّر مشهد السفر، سواء أكان ذلك لناحية اكتشاف الوجهات أو شراء الخدمات. ومهما تطوّرت التكنولوجيا التي يستخدمها المسافرون في عام 2040، فهي لن تنتقص من قيمة "منصة تجربة الزائر". وهما تبرز الميزة المستدامة التي لا يمكن محاكاتها بأي تكنولوجيا وهي شبكة الاتفاقيات التجارية وما يصاحبها من تعدد بالخيارات المتاحة، وآليات لتنظيم مشاركة البيانات، ومعايير لتقديم الخدمات، وعلاقات مع مختلف الشركاء. وهذه الركيزة هي الأهم في تمكين الوجهات من تحقيق الربط والتكامل بين مختلف أجزاء الرحلة.

في هذا السياق، لا بدّ من إطار حوكمة مدروس، يمنح الشركاء الثقة بأنّ المنصة ستحقق قيمة إضافية ولن تستحوذ على عملائهم الحاليين. كما يجب الحرص على وضوح حقوق البيانات والمسؤوليات عند اشتراك جهات متعددة في تقديم تجربة واحدة.

ويمكن لجهة محايدة أو مدعومة من الدولة أن تتولى التنسيق على مستوى المنظومة، على أن تتبني قواعد شفافة، وتحمي المصالح التجارية للشركاء، وتضمن تجربة متكاملة في كل وجهة. ففي ظل الواقع المشتّت لتجربة السفر الحالية، تبرز أمام الوجهات الخليجية فرصة حقيقية لإعادة ربطها وتعزيز التكامل بينها من خلال "منصة تجربة الزائر".



إقرأ المزيد