جريدة الرياض - 9/17/2026 11:57:36 PM - GMT (+2 )
في وقت يواجه فيه الاقتصاد الإيراني ضغوطًا متزايدة، تشمل تراجع قيمة العملة وارتفاع التضخم وغلاء الأسعار واضطراب إمدادات بعض السلع، أطلقت الولايات المتحدة في 24 أغسطس 2026 حملة عقوبات موسعة باسم «عملية المنبوذ الاقتصادي» (Operation Economic Outcast)، مستهدفة شبكات التمويل والتجارة التي تقول واشنطن إنها تساعد طهران على الالتفاف على العقوبات.
وتقارب محللون اقتصاديون في تقديرهم لحجم الألم الذي يمكن أن تسببه الحزمة الجديدة للاقتصاد الإيراني، لكنهم تباينوا في تقييم قدرتها على إجبار طهران على تقديم تنازلات سياسية، وبينما رجح بعضهم أن يؤدي تشديد الخناق المالي إلى إضعاف موارد الدولة وتسريع التدهور الاقتصادي، رأى آخرون أن العقوبات وحدها قد تنتج استنزافًا طويلًا، من دون أن تقود بالضرورة إلى تغيير في الملفات السيادية ما لم تقترن بمسار تفاوضي واضح.
حرب مالية أكثر شمولًا
قال فضل بن سعد البوعينين، عضو مجلس الشورى والمستشار الاقتصادي، إن العقوبات الأميركية الجديدة تمثل «حربًا مالية واقتصادية» على إيران، متوقعًا أن تترك تداعيات واسعة على الاقتصاد والمالية العامة، وأن تختلف عن جولات العقوبات السابقة من حيث الشمولية وسرعة التنفيذ، وأوضح أن التحرك الذي تقوده وزارة الخزانة الأميركية، عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية وشبكة مكافحة الجرائم المالية، يستهدف شبكات التمويل والتجارة وأسطول الظل المستخدم في تصدير النفط، بما يرفع كلفة المعاملات ويحد من تدفقات العملات الأجنبية إلى إيران.
ويرى البوعينين أن تشديد القيود على القنوات المالية سيضغط على قدرة طهران على تمويل الواردات والإنفاق العام، ويزيد معدلات التضخم وتراجع العملة وشح النقد الأجنبي، وأضاف أن الولايات المتحدة كانت في مراحل سابقة تفرض عقوبات متفرقة على جهات متعاونة مع إيران، إلا أن الحملة الجديدة تركز بصورة أكبر على حلقات التمويل والتسوية التجارية والجهات الوسيطة.
ولا يتوقع البوعينين أن تتمكن المؤسسات المالية من تجاهل العقوبات الجديدة فترة طويلة، حتى إذا تأخرت بعض الدول في إعلان مواقف رسمية. وأشار إلى أن المصارف والشركات التي تعتمد على الدولار أو ترتبط بالنظام المالي الأميركي ستتحرك لحماية مصالحها خشية العقوبات الثانوية أو فقدان علاقاتها المصرفية المراسلة.
واستشهد بالإجراء الأميركي المقترح ضد «بنك مصر الإمارات»، بعدما أعلنت شبكة مكافحة الجرائم المالية الأميركية في 28 أغسطس أن البنك عالج، وفق تقديرات الخزانة، نحو 1.8 مليار دولار لمصلحة 103 شركات يُحتمل ارتباطها بشبكات الظل الإيرانية بين يناير 2024 ويونيو 2026. ويظل الإجراء في صورته المعلنة مقترحًا لحرمان البنك من الوصول إلى الحسابات المصرفية المراسلة في الولايات المتحدة، وليس حكمًا قضائيًا نهائيًا، وقال البوعينين إن المخاوف من العزل عن النظام المالي العالمي، ومنع التعامل بالدولار، وفرض غرامات أو قيود إضافية، ستدفع كثيرًا من المؤسسات إلى تقليص انكشافها على إيران، ويرى أن الحرب الاقتصادية قد تكون أشد إيلامًا من المواجهة العسكرية، لأنها تمتد إلى سعر الصرف والتضخم والواردات والدخل الحقيقي للمواطنين.
وأضاف أن الضغوط الاقتصادية، إذا استمرت بالقوة المعلنة، قد تضعف قدرة طهران على تمويل مؤسساتها وتزيد السخط الداخلي. وفي المقابل، قد تؤدي المواجهة العسكرية إلى تشديد القبضة الأمنية ورفع مستوى التعبئة الداخلية، وبحسب تقديره، فإن استمرار الضغط المالي يضيق هامش الحركة أمام إيران، لكنه لا يلغي احتمال العودة إلى التفاوض.
ألم اقتصادي قابل للتحويل إلى تفاوض
من جهته، قال الدكتور إبراهيم بن صالح العمر، أستاذ الاقتصاد بجامعة القصيم، إن السؤال لم يعد يتعلق بقدرة العقوبات على إيلام الاقتصاد الإيراني، فهي تفعل ذلك منذ سنوات، وإنما بقدرة هذا الألم على التحول إلى تنازل سياسي. وأضاف أن المسافة بين الأثر الاقتصادي والنتيجة السياسية أكبر مما يقدره كثيرون.
وأشار العمر إلى أن العملة الإيرانية تجاوزت في مطلع سبتمبر مستوى 2.2 مليون ريال للدولار في السوق الموازية، فيما بلغ التضخم على أساس سنوي نحو 84.4% في أغسطس، وأظهرت بيانات رسمية أحدث نقلتها رويترز أن متوسط التضخم خلال 12 شهرًا بلغ 69.9%. كما أقر الرئيس مسعود بزشكيان بتراجع الصادرات والواردات بنسب تراوحت بين 25% و35%، مع استمرار فجوة في سوق الوقود؛ إذ أشارت تقديرات منشورة إلى استهلاك يقارب 135 مليون لتر يوميًا مقابل إنتاج عند نحو 121 مليون لتر.
وأوضح أن هذه المؤشرات تعكس اقتصادًا يعمل في وضع طوارئ، لكنها لا تثبت بالضرورة أنه على حافة انهيار فوري. فالعقوبات، وفق تقديره، أثبتت قدرتها على تقليص الدخل ورفع الكلفة، لكنها لا تغير القرار السيادي عادة إلا إذا اقترنت بأفق تفاوضي يمنح الطرف المستهدف مخرجًا سياسيًا. ومن دون ذلك قد تتحول إلى ضريبة بقاء يدفعها المجتمع أكثر مما تصبح أداة تغيير يدفعها النظام.
ويرى العمر أن الجغرافيا عنصر حاسم في تقييم فاعلية العقوبات. فالحصار البحري الذي أعادت الولايات المتحدة تشديده في 14 يوليو عطل جانبًا كبيرًا من صادرات النفط الإيرانية عبر مضيق هرمز، وأفادت بيانات تتبع الناقلات بعدم نجاح أي شحنة خام إيرانية جديدة في العبور إلى الصين عبر المضيق منذ ذلك التاريخ حتى مطلع سبتمبر. ومع ذلك، تبقى الحدود البرية مع العراق وتركيا وباكستان وأفغانستان، إلى جانب ممرات آسيا الوسطى وبحر قزوين، منافذ لإعادة توجيه جزء من التجارة بكلفة أعلى وخصومات أكبر وعدد أكبر من الوسطاء.
وأضاف أن مضيق هرمز يمثل سلاحًا ذا حدين؛ فكلما اشتد الضغط على الصادرات الإيرانية ارتفعت مخاطر التصعيد في الممر الذي يعبر منه جزء مهم من تجارة الطاقة العالمية. وبذلك لا تتحمل إيران وحدها كلفة المواجهة، بل تنتقل آثارها إلى أسعار الطاقة والتأمين والشحن والنمو العالمي.
وعن الرواية المتداولة بشأن رفض ثماني دول من أصل 16 المشاركة في تشديد العقوبات، قال العمر إنها غير مؤكدة من مصدر مستقل، ولم تُعلن أسماء الدول أو طبيعة الطلب الموجه إليها. وأضاف أن عدّ الدول لا يكفي لقياس فاعلية العقوبات؛ فالأهم هو حجم كل دولة في المقاصة الدولارية وإعادة التأمين البحري والتكرير وخدمات الموانئ.
ولفت إلى أن الصين اشترت أكثر من 80% من النفط الإيراني المنقول بحرًا خلال 2025، بمتوسط بلغ نحو 1.38 مليون برميل يوميًا، أي ما يعادل قرابة 13.4% من وارداتها النفطية البحرية. ويرى أن هذا الحجم يزن في فاعلية العقوبات أكثر من مواقف عدد من الدول ذات التعامل المحدود مع طهران.
وقال العمر إن الرفض السياسي للعقوبات الأميركية لا يعني انعدام الامتثال عمليًا، مضيفًا: «قد ترفض الدول العقوبات في بياناتها، بينما تقلص مصارفها انكشافها على الدولار والمخاطر الأميركية». وبرأيه، تُحسم فاعلية العقوبات في هذه الفجوة بين الموقف السياسي المعلن والسلوك المصرفي والتجاري الفعلي.
عقوبات تنخر في الاقتصاد
بدوره، أكد الدكتور عبدالرحمن باعشن، رئيس مركز الشروق للدراسات الاقتصادية، أن العقوبات الأميركية قد تكون من أكثر أدوات الضغط تأثيرًا في الوضع الداخلي الإيراني، لأن أثرها يمتد إلى المستهلك والمؤسسات والخدمات، ويرفع كلفة المعيشة ويضغط على المزاج العام، وقال باعشن إن واشنطن قد تراهن على توسيع الفجوة بين المجتمع والنظام من خلال تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، لكنه استبعد تحقق تحول سياسي سريع، موضحًا أن ذلك يتوقف على مدة العقوبات وقدرة الدولة على احتواء آثارها، واحتمالات حدوث اختراق سياسي يعيد الطرفين إلى طاولة التفاوض.
ويرى أن حالة الجمود الأميركي الإيراني تظل مفتوحة على احتمالات متعددة، وأن مواقف الدول ستتحرك بين الرفض السياسي والامتثال المالي الجزئي. فالصين تعارض مبدئيًا العقوبات الأحادية، لكنها تبحث عن مسارات تسوية وتجارية أقل تعرضًا للدولار؛ وروسيا تنشط ممرات بحر قزوين؛ بينما ترتبط تركيا والعراق بإيران عبر مصالح حدودية وطاقوية ومالية يصعب فكها سريعًا.
واتفق باعشن والعمر على أن الدول الأوروبية قد تكون أقرب إلى الانضمام للإجراءات الأميركية، رغم تعرضها في الوقت نفسه لتداعيات ارتفاع أسعار الطاقة. أما دول الخليج فتوازن، بحسب تقديرهما، بين الالتزام الهادئ بمتطلبات النظام المالي الدولي ومساعي الوساطة وخفض التصعيد.
وتتقاطع تقديرات العمر وباعشن عند سيناريو استنزاف اقتصادي متواصل بدل انهيار سريع: انكماش أشد، وتآكل في القوة الشرائية والطبقة الوسطى، واستمرار شبكات الالتفاف على العقوبات بكلفة أعلى وعائد أقل، من دون ضمان تغيير فوري في الملفات السياسية والأمنية الأساسية.
ويريان أن الوظيفة الأهم للحزمة الجديدة قد تكون بناء رافعة تفاوضية قبل جولة سياسية مقبلة، لا تحقيق عزل اقتصادي كامل يصعب تنفيذه جغرافيًا. فالولايات المتحدة تواجه كلفة مرتفعة لاستمرار الحصار البحري واضطراب أسواق الطاقة، في حين لا تستطيع إيران إدامة اقتصادها طويلًا مع انكماش الصادرات وتراجع موارد النقد الأجنبي، وبذلك يبقى المسار الأكثر ترجيحًا، وفق تقديرهما، عودة الطرفين إلى التفاوض تحت ضغط الكلفة المتبادلة، لا خضوعًا كاملًا أو استسلامًا. وإلى أن يحدث ذلك، ستواصل المنطقة تحمل علاوة مخاطر مرتفعة في الطاقة والتجارة والتأمين، سواء نجحت العقوبات في تغيير حسابات طهران أم اكتفت بتعميق أزمتها الاقتصادية.
إقرأ المزيد


