جريدة الرياض - 9/10/2026 2:33:37 AM - GMT (+2 )
في الوقت الذي تتجه فيه السياحة السعودية، إلى تنويع منتجاتها وتعزيز التجارب المرتبطة بالهوية المحلية، يبرز البيت السعودي، كمنتج سياحي قادر على الجمع بين الأصالة والعائد الاقتصادي، عبر نقل الزائر من مجرد مشاهدة المعالم، إلى معايشة تفاصيل الحياة اليومية والثقافة المحلية من داخل المنزل، ولا تقتصر قيمة هذه التجربة على تقديم القهوة السعودية والأطباق الشعبية والحرف والعادات، بل تمتد إلى خلق مصادر دخل جديدة للأسر السعودية، من خلال الإستضافة والطهي والحرف والمنتجات المحلية والتجارب الثقافية المتخصصة، بما يفتح مجالًا أمام اقتصاد سياحي قائم على الثقافة والضيافة، ويحافظ في الوقت ذاته على خصوصية الأسرة وأصالة التجربة.
متخصصون في الارشاد السياحي، أكدوا على أنه لم يعد السائح يبحث عن صورة يلتقطها أمام معلم سياحي بقدر ما يبحث عن قصة يعيشها وتجربة يأخذ ذكراها معه، وهنا يفتح البيت السعودي بابًا جديدًا أمام السياحة الثقافية، بتحويل الضيافة والعادات اليومية والمطبخ الشعبي والحرف والقصص المحلية إلى تجارب سياحية قابلة للتطوير والاستثمار، ويرون أن هذا النمط من السياحة يمكن أن يمنح الأسر السعودية فرصة لبناء مشاريع صغيرة حول ثقافتها وهويتها، لتتحول الضيافة من قيمة اجتماعية متوارثة إلى مورد اقتصادي ومنتج سياحي مستدام، شرط الحفاظ على خصوصية الأسرة وأصالة ما تقدمه للزائر.
المدربة في قطاع الارشاد السياحي شفاء العميري قالت لـ "الرياض": الذي يميز تجربة البيت السعودي، عن زيارة المواقع السياحية التقليدية، هي أن السائح لا يزور مكانًا فقط، بل يدخل إلى حياة حقيقية، فالمواقع السياحية تعرّف الزائر بتاريخ وثقافة البلد، بينما البيت السعودي يتيح له أن يعيش الثقافة من الداخل، من خلال طريقة استقبال الضيف، تقاليد تجهيز وتقديم القهوة السعودية، وصناعة الطعام، وملامح المجالس، تفاصيل العادات، والحياة اليومية، والعلاقة بين أفراد الأسرة.
وعن كيفية تحويل البيت السعودي إلى تجربة سياحية متكاملة، ترى العميري
من خلال بناء التجربة حول قصة وليس مجرد زيارة، حيث يبدأ الاستقبال، ثم التعريف بالبيت والمنطقة والأسرة، ثم مشاركة الضيف في نشاط أو وجبة أو حوار، وتنتهي التجربة بذكرى أو منتج محلي يأخذه معه، المهم أن تكون التجربة مترابطة وليست مجموعة أنشطة منفصلة.
وعن أكثر شيء يجذب السائح في دخول بيت سعودي والتعرف على الحياة اليومية، تشير العميري إلى جوانب العفوية والتفاصيل التي لا يمكن أن يجدها في دليل سياحي، مثل أن يرى كيف تُجهّز القهوة، وماذا يقدم أهل البيت لضيوفهم، وكيف تُستخدم المجالس، وما القصص المرتبطة بالأشياء الموجودة في المنزل، فهذه التفاصيل الصغيرة غالبًا أقوى من أي عرض رسمي، مؤكدة على ضمان أن تكون التجربة أصيلة وليست مجرد عرض سياحي، فليس مطلوب من الأسرة أن تمثل دور الأسرة السعودية، بل أن تشارك جزءًا حقيقيًا من ثقافتها ضمن حدود واضحة، فالأصالة تأتي من القصة الشخصية، والضيافة الطبيعية، والمنتجات المحلية، والمرونة في الحوار، وليس من حفظ نص سياحي وتكراره لكل مجموعة، مشيرة إلى أن الأنشطة التي يمكن تقديمها للزوار داخل البيت السعودي، متنوعة في مقدمتها
القهوة والتمر، إعداد وجبة أو طبق شعبي، تجربة الأزياء، الحرف اليدوية، التعرف على الأدوات القديمة، جلسة حوار مع أفراد الأسرة، الاستماع إلى قصص المنطقة، ألعاب شعبية، أو مشاركة مناسبة موسمية، والأفضل أن يكون النشاط تفاعليًا بحيث يفعل السائح شيئًا، لا يكتفي بالمشاهدة.
وبسؤال المدربة العميري هل ثمة اختلاف بين التجربة للسائح المحلي وبين تجربة السائح الدولي، قالت، نعم، ولكن جوهر التجربة لا يتغير، فالسائح الدولي يحتاج إلى شرح أوسع للسياق الثقافي، بينما المحلي قد يكون أكثر اهتمامًا بالتفاصيل النادرة أو القصص المرتبطة بالمنطقة.، لذلك نغيّر مستوى التفسير والأنشطة، وليس هوية التجربة، مبينة أن من أبرز التحديات عند استقبال القروبات السياحية، مراعاة الخصوصية، وإدارة الوقت، وحجم المجموعة، والاستعداد التشغيلي، فالبيت مصمم للحياة الأسرية وليس بالضرورة لاستقبال عشرات الأشخاص في وقت واحد، لذلك يجب تحديد الطاقة الاستيعابية، وآلية الحجز، ومسار الزيارة، ومن يتولى الاستقبال والتنظيم.
ونبهت العميري على أن تحقيق التوازن بين خصوصية الأسرة ومتطلبات النشاط السياحي، يبدأ بالفصل الواضح بين مساحة الأسرة ومساحة الضيوف، وتحديد أوقات الاستضافة وعدد الزيارات، ووضع قواعد للضيوف من البداية. السياحة المنزلية الناجحة لا تعني فتح البيت بالكامل؛ بل تعني مشاركة جزء مختار من الحياة الأسرية بطريقة تحافظ على راحة الأسرة.
ومن خلال تجربتها الشخصية ترى العميري أن من أهم المعايير التي يجب أن تتوفر في البيت السعودي ليكون مناسبًا للاستضافة السياحية، أن يكون ذا هوية واضحة، وقادرًا على استيعاب الضيوف، ويضاف لذلك وجود خصوصية للأسرة، ودورات مياه مناسبة، وارتفاع مستوى السلامة في اعداد المواد الغذائية عند تقديم الطعام، وآلية واضحة للحجز والإلغاء والتعامل مع الحالات الطارئة.
مؤكدة على أن هذه البرامج تخلق فرصًا اقتصادية جديدة للأسر السعودية
بالتأكيد، والأهم أنها تخلق اقتصادًا قائمًا على الثقافة وليس فقط على العقار، فالأسرة يمكن أن تحقق دخلًا من الاستضافة، والطعام، والحرف، والمنتجات المحلية، والقصص والتجارب المتخصصة، كما يمكن أن تفتح المجال أمام أفراد الأسرة للعمل في التنظيم، والطهي، والحرف، والتسويق، وخلصت العميري إلى أن نجاح تجربة البيت السعودي لن يقاس بعدد الزوار، بل بقدرتها على تحويل الضيافة السعودية من قيمة اجتماعية إلى تجربة ثقافية واقتصادية مستدامة، من دون أن تفقد أصالتها أو تتحول الأسرة إلى جزء من "عرض سياحي".
إقرأ المزيد


