صراع الشرق الأوسط يضرب سلاسل إمدادات الأسمدة عالمياً
جريدة الرياض -

أحدثت أزمة الشرق الأوسط صدمة كبيرة في إمدادات أسواق الغاز الطبيعي العالمية، فقد تعطل التحسن التدريجي في توازن السوق، الذي كان جارياً منذ النصف الثاني من عام 2025، بشكل كبير جراء الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز عقب اندلاع الحرب في الشرق الأوسط في نهاية فبراير 2026. وأدى انقطاع تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر المضيق - الذي كان يمثل ما يقرب من 20% من إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية - إلى تقلبات حادة في الأسعار، بحسب تقرير أسواق الغاز للربع الثالث 2026 لوكالة الطاقة الدولية.

ويهدف الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران في منتصف يونيو إلى توفير إطار لإعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، ووضع أسس سلام دائم. وفي الوقت نفسه، لا تزال هناك شكوك كبيرة حول استئناف التدفقات التجارية الطبيعية.

وشهدت حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال ارتفاعًا منذ الإعلان عن الاتفاقية، إلا أن الكميات لا تزال ضئيلة مقارنةً بمستويات ما قبل النزاع. ويفترض هذا التقرير إعادة فتح مضيق ملقا بالكامل في الربع الثالث من عام 2026، واستئناف العمليات في المنشآت غير المتضررة في المنطقة بشكل كامل بحلول أوائل الربع الرابع، مع زيادة تدريجية في شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات بين شهري يوليو وأكتوبر.

وقد ساهم النمو القوي في إمدادات الغاز الطبيعي المسال الجديدة في تعويض جزئي لانخفاض شحنات الخليج حتى شهر يونيو. وشهدت إمدادات الغاز من منتجي الشرق الأوسط انخفاضًا حادًا في عام 2026، إلا أن موردين آخرين قد عززوا إمداداتهم. وبين شهري مارس ويونيو، حيث انخفضت شحنات الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات بمقدار 35 مليار متر مكعب على أساس سنوي.

ومع ذلك، فقد تم تعويض هذا الانخفاض الحاد جزئيًا بزيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال من مشاريع جديدة في أمريكا الشمالية وأفريقيا، وتحسن توافر إمدادات الغاز من المنتجين التقليديين في أفريقيا وآسيا والاتحاد الروسي. ارتفع إنتاج الغاز الطبيعي المسال من خارج منطقة الخليج بنسبة تقارب 18% (أو حوالي 27 مليار متر مكعب) على أساس سنوي خلال هذه الفترة، مما عوض نحو ثلاثة أرباع الانخفاض في شحنات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج خلال الفترة نفسها. وبشكل عام، انخفض الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 4% (أو 8 مليارات متر مكعب على أساس سنوي) من مارس إلى يونيو.

ولسد النقص، اتخذ المصدرون تدابير تهدف إلى تعزيز إمدادات الغاز الطبيعي المسال. ففي مارس، سمحت الحكومة الأمريكية لمحطة بلاكوماينز للغاز الطبيعي المسال بزيادة صادراتها بنسبة 13% (أو 4.6 مليار متر مكعب سنويًا) إلى كل من الدول الموقعة على اتفاقيات التجارة الحرة والدول غير الموقعة عليها. وفي أوائل أبريل، سُمح لمحطة جزيرة إلبا للغاز الطبيعي المسال بزيادة صادراتها بنسبة 22% (أو 0.8 مليار متر مكعب) إلى الدول غير الموقعة على اتفاقيات التجارة الحرة. كما أصدرت أستراليا وسنغافورة بيانًا مشتركًا حول المرونة الاقتصادية والإمدادات الأساسية في أوائل أبريل لدعم تدفق السلع الأساسية، بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال.

وانخفضت أسعار الغاز الطبيعي في آسيا وأوروبا عن مستوياتها المرتفعة في مارس، لكنها لا تزال أعلى بكثير من مستويات عام 2025. وقد تأثرت أسعار الغاز الفورية في آسيا وأوروبا سريعًا باضطراب الإمدادات الناجم عن الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز. ففي مارس، بلغت أعلى متوسطاتها الشهرية منذ يناير 2023 (خلال أزمة إمدادات الغاز 2022-2023).

ورغم انخفاض الأسعار في الربع الثاني من عام 2026، إلا أنها ظلت أعلى بكثير من مستويات عام 2025. وسجل كل من مؤشر تي تي اف الأوروبي المرجعي للأسعار، ومؤشر بلاتس الآسيوي أعلى متوسطاتهما في الربع الثاني منذ عام 2022، حيث ارتفع مؤشر الاوروبي بنسبة 32% على أساس سنوي ليصل إلى متوسط ​​يقارب 16 دولارًا أمريكيًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بينما ارتفعت أسعار الغاز الطبيعي المسال الفورية في آسيا بنسبة 45% على أساس سنوي لتصل إلى متوسط ​​17.5 دولارًا أمريكيًا لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

انقلب الفارق بين أسعار الغاز الطبيعي المسال في أوروبا من علاوة قدرها 0.9 دولار أمريكي/مليون وحدة حرارية بريطانية في يناير وفبراير إلى علاوة في آسيا بمتوسط ​​2.1 دولار أمريكي/مليون وحدة حرارية بريطانية من مارس إلى يونيو، مما شجع على تحويل شحنات الغاز الطبيعي المسال المرنة من أوروبا إلى الأسواق الآسيوية.

وقد أدى الإعلان عن الاتفاقية المؤقتة في يونيو، واحتمالية إعادة فتح مضيق هرمز بالكامل، إلى ضغط نزولي على الأسعار في هذه المناطق، حيث انخفضت أسعار الغاز الطبيعي المسال للشهر المقبل في أوروبا وأسيا بنسبة 6% و12% على التوالي، بين 15 و26 يونيو. ومع تراجع الاستهلاك في أسواق استيراد الغاز الطبيعي المسال الرئيسية وسط ارتفاع أسعار السوق الفورية، انخفض الطلب العالمي على الغاز في الأشهر الستة الأولى من عام 2026. وفي الشرق الأوسط، أثر الاضطراب الذي لحق بالصناعات كثيفة الاستهلاك للغاز في المنطقة سلبًا على استهلاك الغاز الطبيعي محليًا.

وتشير البيانات الأولية إلى أن هذا الانخفاض كان مدفوعًا جزئيًا بتراجع الطلب على الغاز الطبيعي في آسيا، والذي يُقدر أنه انخفض بنسبة 0.5% (أو ما يقارب 5 مليارات متر مكعب) مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025. ومنذ بداية مارس، دفع تعطل تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز إلى تبني تدابير لإدارة الطلب وسياسات تحويل الوقود في الأسواق الآسيوية، الأمر الذي أثر، إلى جانب ارتفاع الأسعار، على استهلاك الغاز في المنطقة.

وانخفض الطلب على الغاز الطبيعي في الصين بنسبة 4% على أساس سنوي خلال الفترة من مارس إلى يونيو. إلى جانب زيادة إنتاج الغاز المحلي في الصين، ساهم ذلك في خفض واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 12% (أو 3 مليارات متر مكعب) مقارنةً بالفترة نفسها من عام 2025، مما ساعد على تحقيق التوازن في سوق الغاز العالمي. وفي دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في أوروبا، انخفض استهلاك الغاز الطبيعي بنحو 0.5% (أو أقل من مليار متر مكعب) في النصف الأول من عام 2026. ويعود هذا الانخفاض بشكل رئيسي إلى انخفاض استخدام الغاز في قطاع الطاقة وسط زيادة الإنتاج من مصادر الطاقة المتجددة.

أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى اضطراب كبير في سلاسل إمداد الأسمدة العالمية. ويتجلى هذا التأثير في جانبين: أولهما، توقف تصدير الأسمدة من دول الخليج بشكل كبير منذ بداية الصراع. وثانيهما، أن الارتفاع الحاد في أسعار الغاز الطبيعي يؤثر سلبًا على معدلات إنتاج الأسمدة النيتروجينية في آسيا وأوروبا، مثل الأمونيا واليوريا، والتي يُعد الغاز الطبيعي أحد مكوناتها الأساسية.

وبالمثل، أدى انخفاض توافر الغاز الطبيعي المسال إلى انخفاض معدلات إنتاج الأسمدة في بعض الأسواق الآسيوية التي تعتمد عادةً على الواردات من الشرق الأوسط، بما في ذلك بنغلاديش والهند وباكستان. وقد يؤدي الارتفاع المستمر في أسعار الأسمدة إلى تفاقم الضغط على النظم الزراعية والإضرار بأمن الإمدادات الغذائية في أكثر مناطق العالم هشاشة، بما في ذلك أفريقيا.

وعلى الرغم من الانخفاض الحاد في صادرات الغاز الطبيعي المسال من منطقة الخليج، فمن المتوقع أن يحافظ المعروض القوي من مناطق الإنتاج الأخرى على استقرار المعروض العالمي من الغاز الطبيعي المسال إلى حد كبير طوال العام. وبناءً على افتراضات التوقعات، من المتوقع أن ينخفض ​​المعروض السنوي من الغاز الطبيعي المسال من قطر والإمارات مجتمعتين بنحو 45 % على أساس سنوي (أو 54 مليار متر مكعب) اعتبارًا من عام 2025.



إقرأ المزيد