العثمان: "حصص الصيانة" تصنع جيلاً يعتمد على نفسه وتقلل الإنفاق
جريدة الرياض -

يرى صانع المحتوى السعودي ناصر العثمان أن حصة شهرية واحدة في المدارس قد تكفي لتعليم الطلاب أساسيات استخدام العدد اليدوية، والتعامل مع الأعطال المنزلية البسيطة، ومبادئ الأمن والسلامة، بما يعزز ثقافة الاعتماد على النفس منذ الصغر.

وبنى العثمان تجربته على تبسيط أعمال الصيانة المنزلية التي لا تستدعي حضور فني، بعد أن لاحظ اعتماد كثير من الأسر على العمالة في أعمال يمكن إنجازها ذاتياً بمهارات محدودة وأدوات بسيطة.

«الرياض» التقت العثمان لمناقشة تجربته في نشر ثقافة الصيانة المنزلية، وكيف يمكن توسيعها وتحويلها من محتوى رقمي إلى نموذج مجتمعي يسهم في خفض بعض تكاليف الأسر، وتقليل الاعتماد على العمالة في الأعمال البسيطة، وتعظيم أثر هذه المهارات اقتصادياً في المجتمع السعودي، الأمر الذي يواكب أحد محاور رؤية السعودية 2030. من «ريالك يخدمك» إلى شراء عدة الصيانة

يتذكر العثمان أن بعض التعليقات كانت تسخر من فكرة قيام الإنسان بأعمال الصيانة بنفسه، ومن بينها العبارة الشعبية: «اقعد في الظل وريالك يخدمك بالشمس»، وكان التحدي، كما يقول، إقناع الجمهور بأن المسألة أبعد من مجرد توفير تكلفة استدعاء الفني، لكن النظرة تغيرت تدريجياً، وبدأ متابعون، بحسب تجربته، في شراء العدد المنزلية وتجربة الإصلاح بأنفسهم.

يقول: «اكتشف الناس أن الأمر لا يقتصر على توفير المال فقط، بل فيه متعة ولذة إنجاز، كما أن العمل اليدوي يساعد على تفريغ ضغوط الحياة ويمنح الإنسان شعوراً بالراحة»، وبعد أكثر من ألف حلقة في الصيانة المنزلية، يرى العثمان أن المشكلة ليست دائماً في تعقيد الأعطال، وإنما في افتقاد المعرفة الأولية أو التسرع في طلب المساعدة.

ويضرب مثالاً بدليل الاستخدام الذي يأتي مع الأجهزة المنزلية، فكثير من المستهلكين، كما يلاحظ، يتخلصون منه فور شراء الجهاز، مع أنه يتضمن عادة قسماً لـ«استكشاف الأخطاء وإصلاحها» (Troubleshooting)، يشرح الأعطال الشائعة والحلول الأولية لها.

ويضيف: «قد يستعين الشخص بفني، ثم يكتشف أن الفني نفسه قرأ دليل الجهاز أو بحث عن المشكلة في الإنترنت. لذلك من أكبر الأخطاء إهمال دليل الاستخدام، خصوصاً صفحة الأعطال الشائعة». الصيانة البسيطة لها حدود

ورغم دعوته المستمرة إلى الاعتماد على النفس، يضع العثمان خطاً واضحاً بين الأعمال المنزلية البسيطة والأعمال التي تتطلب فنيين متخصصين، ولا سيما في الكهرباء.

يقول إنه لا يتعمق في الأعمال الكهربائية، ويقتصر شرحه على مهام محدودة مثل تغيير المصباح أو المقبس الكهربائي، مع التأكيد على فصل التيار واستخدام أدوات الفحص المناسبة قبل البدء.

ويضيف أن أي عمل يتجاوز هذه الحدود يجب أن يبقى في يد المختصين، أما في السباكة المنزلية البسيطة، فيركز محتواه على تغيير القطع الاستهلاكية والتعامل مع الأعطال المحدودة التي يمكن تنفيذها بطريقة آمنة، من دون الدخول في أعمال تحتاج إلى خبرة مهنية، وهذه الحدود، بالنسبة إليه، ضرورية حتى لا تتحول الدعوة إلى الاعتماد على النفس إلى مجازفة غير محسوبة. مدينة أكبر.. وحاجة أكبر للمهارة

وتكتسب الفكرة بعداً مختلفاً في ظل التوسع العمراني الذي تشهده مدن المملكة، ونمو المشاريع السكنية وزيادة عدد المساكن وما يصاحبها من طلب متزايد على خدمات التشغيل والصيانة.

العثمان يرى أن انتشار ثقافة التعامل مع الأعطال المنزلية البسيطة يمكن أن يوفر على الأسرة جزءاً من المصروفات المتكررة، ويجعل الاستعانة بالفني مرتبطة بالأعمال التي تحتاج فعلاً إلى تخصص.

ويقول: «الحل أن يقوم الإنسان بالأعمال المنزلية البسيطة التي كان آباؤنا وأجدادنا يقومون بها بسهولة، أي عطل تستطيع إنجازه بنفسك ولا يحتاج إلى تخصص معقد يمكنك التعامل معه بعدة بسيطة ومن دون تكاليف مالية باهظة».

ويراهن في ذلك على الشباب بصفة خاصة، إذ يصفهم بأنهم الأسرع تعلماً وقدرة على الوصول إلى المعلومات وتطبيقها. ويقول إن الرسائل التي تصله باستمرار تؤكد أن شريحة واسعة منهم بدأت تتجه إلى تجربة الإصلاحات المنزلية بنفسها.

ويضيف: «شبابنا أذكياء ومتعلمون، ويستطيع أحدهم البحث في الإنترنت وتكوين المعلومة أولاً ثم تطبيقها بسرعة وكفاءة»، ومن هنا يعود العثمان إلى المدرسة، فإذا كانت المنصات الرقمية تعلم الشاب مهارة يحتاج إليها بعد امتلاك منزله، فلماذا لا تبدأ المعرفة قبل ذلك بسنوات؟

يتصور حصة عملية مبسطة يتعرف خلالها الطالب على العدد الأساسية، وطريقة استخدامها، وقواعد السلامة، والتعامل الأولي مع بعض المواقف المنزلية. ويرى أن الأثر يتجاوز توفير تكلفة بعض الإصلاحات إلى تكوين شخصية تعرف كيف تتصرف وتفرّق بين ما تستطيع إنجازه وما يجب أن تتركه للمتخصص.

كما يعتقد أن انتشار هذه الثقافة يمكن أن يعيد توجيه الإنفاق الأسري نحو احتياجات أخرى، ويحد من الاعتماد على العمالة في الأعمال التي لا تستدعي مهارة فنية متخصصة. من الشاشة إلى مشروع مجتمعي

وبعد سنوات من تقديم المعرفة عبر الهاتف والشاشة، لا يستبعد العثمان انتقال التجربة إلى نطاق أوسع من خلال برامج تدريبية أو شراكات مع مؤسسات تعليمية وحكومية. لا يقدم مشروعاً محدداً حتى الآن، لكنه يقول إنه مستعد للمشاركة في أي مبادرة تستفيد من تجربته في تعليم مهارات الصيانة والسلامة: «أنا في خدمة مجتمعي ووطني وأبناء وطني، ومتى ما احتاجت الجهات المسؤولة وجودي أو دعمي فأنا حاضر».

أما الرسالة التي يريد أن تبقى مرتبطة بتجربته، فيختصرها في «تمكين الشباب»؛ ليس في سوق العمل وحده، وإنما في تفاصيل حياتهم اليومية وداخل منازلهم.

وبعد وصول محتواه، وفق قوله، إلى أكثر من خمسة ملايين متابع، يرى أن الفكرة التي بدأ بها أصبحت أكثر وضوحاً لدى جمهوره: القيام بالعمل البسيط بنفسك لا يعني البخل في طلب الفني، وإنما معرفة متى تحتاج إليه، والقدرة على إنجاز ما تستطيع إنجازه من دونه.

وبين أكثر من ألف مقطع صيانة وملايين المشاهدات، تبدو الخطوة التي يتطلع إليها العثمان الآن مختلفة: أن ينتقل المفك والزرادية والمطرقة من شاشة الهاتف إلى طاولة الطالب، في حصة مدرسية يتعلم فيها مبكراً أن بعض مهارات الحياة لا تُقرأ فقط.. بل تُمارس.



إقرأ المزيد