المؤشرات وأخواتها.. لحظة لَمّ الشمل
جريدة الرياض -

تملك المملكة اليوم منظومة واسعة من المؤشرات التي تقرأ جوانب متعددة من التنمية، وتتسع هذه المنظومة كلما اتسعت أهداف التحول وتعدد شركاؤه. فهناك ما يقيس الاقتصاد والاستثمار وسوق العمل والتوطين والمحتوى المحلي، وما يتابع المسؤولية الاجتماعية والاستدامة والأداء البيئي والاجتماعي والحوكمة، إلى جانب مؤشرات أكثر تخصصًا تتصل بالقطاعات والأولويات الوطنية.

وهذه الكثرة ليست عبئًا في ذاتها؛ فالتنمية بطبيعتها لا يمكن اختصارها في رقم واحد، ولا تستطيع عدسة واحدة أن تلتقط اقتصادًا ومجتمعًا وبيئة وابتكارًا واستثمارًا في الوقت نفسه.

لكن السؤال يبدأ عندما نحاول معرفة:

ما حجم الأثر التنموي الذي يصنعه القطاع الخاص في المملكة؟

نعرف الكثير عن وزنه الاقتصادي؛ فقد بلغت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي 51 % في عام 2025، فيما تستهدف رؤية السعودية 2030 رفعها إلى 65 %. ولدينا في المقابل منظومات تقيس جوانب أخرى من حضوره ومساهمته.

لكن عندما ننتقل من حجمه في الاقتصاد إلى مقاس أثره في التنمية، تبدأ رحلة مختلفة.

رحلة «آل مؤشر».. وما آل إليه.. لـ«آل مؤشر» بيوت كثيرة.

فالهيئة العامة للإحصاء تنتج إحصاءات تفصيلية لقطاع الأعمال، تشمل الإيرادات والنفقات وتعويضات المشتغلين والتكوينات الرأسمالية وغيرها، بما يتيح قراءة هيكل القطاع ونموه بحسب النشاط الاقتصادي وحجم المنشأة.

ولوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية منظوماتها المتصلة بسوق العمل والتوطين، إلى جانب دورها في تنظيم وتمكين المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص؛ فقد أطلقت المنصة الوطنية للمسؤولية الاجتماعية لقيادة التحول في الإفصاح عن المسؤولية الاجتماعية وتوجيه المبادرات نحو الأولويات الوطنية، كما طورت مؤشر المسؤولية الاجتماعية بالتعاون مع هيئة السوق المالية وتداول السعودية، لقياس أداء الشركات في هذا الجانب وفق معايير متوافقة مع المؤشرات العالمية.

وللمحتوى المحلي مقاييسه ومنظومته التي ترصد نمو مشاركة المنتجات والخدمات والقدرات الوطنية في الاقتصاد؛ وقد بلغت نسبة المحتوى المحلي في المشتريات الحكومية 47.4 % في عام 2024.

ولصندوق الاستثمارات العامة منظومته في قياس المحتوى المحلي وتنمية الموردين وتوطين سلاسل الإمداد، من خلال برنامج «مساهمة» ومبادرات تمكين القطاع الخاص المرتبطة بالصندوق وشركات محفظته.

وفي سوق المال، تقدم تداول السعودية إرشادات للإفصاح عن الممارسات البيئية والاجتماعية والحوكمة للشركات المدرجة، لتضيف عدسة أخرى يمكن من خلالها قراءة جانب من أداء الشركات واستدامتها.

أما على مستوى الصورة الوطنية الأوسع، فقد أظهر التقرير الوطني الطوعي الثالث للمملكة اتساع دائرة الشركاء في التنمية؛ إذ شاركت في إعداده أكثر من 140 جهة، فيما ينظم النموذج الوطني للتنمية المستدامة أكثر من 90 أولوية تنموية ضمن تسع مهام متكاملة تركز على نتائج قابلة للقياس للإنسان والاقتصاد والبيئة.

لكل جهة اختصاصها، ولكل مؤشر وظيفته، وكل واحد منها يقرأ جانبًا نحتاج إلى معرفته.

لكن ماذا يحدث عندما نطلب من «آل مؤشر» صورة عائلية واحدة؟

حين يصبح القياس هو السؤال!

ربما لا نواجه نقصًا في المؤشرات بقدر ما نواجه ثراءً في زوايا القياس.

فالمنشأة الواحدة قد توظف وتوطّن، وتشتري محليًا، وتدرّب، وتبتكر، وتخفض استهلاك الماء والطاقة، وتطوّر مورديها، وتستثمر في المجتمع، وتفصح عن جوانب من استدامتها. وكل نشاط من هذه الأنشطة قد يظهر في مؤشر، أو قاعدة بيانات، أو تقرير، أو منصة مختلفة.

جميعها صحيحة، وجميعها مهمة.

لكن هل نستطيع أن نرى ما تقوله مجتمعة عن المنشأة نفسها؟

هنا لا يصبح السؤال: كم مؤشرًا لدينا؟

السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع هذه المؤشرات، عندما تجتمع، أن تحدد لنا بدقة موقع المنشأة على خريطة التنمية، ثم تمنحنا صورة أوضح لمساهمة القطاع الخاص كله؟

فالقطاع الخاص لا يبدأ أثره التنموي عندما يفتح بند المسؤولية الاجتماعية في ميزانيته. قد يبدأ أثره من صميم نشاطه الاقتصادي: من الوظيفة التي خلقها، والمورد المحلي الذي نمّاه، والتقنية التي ابتكرها، والماء الذي وفره، والكفاءة التي رفعها، والاستثمار الذي نقله إلى منطقة أو قطاع جديد.

وهذا تحديدًا ما يجعل قياس مساهمته التنموية أكثر تعقيدًا، وأكثر أهمية.

وقد تكشف الصورة، إذا اكتملت، أن الأثر التنموي للقطاع الخاص أوسع مما تقوله كل قراءة منفردة؛ فجانب منه يظهر في الاقتصاد، وآخر في سوق العمل، وثالث في المحتوى المحلي، وغيره في الاستثمار والمسؤولية الاجتماعية والاستدامة.

لَمُّ الشمل.. لَمُّ الشمل هنا لا يعني وضع عشرات المؤشرات في مؤشر واحد، ولا إلغاء اختصاص جهة لمصلحة أخرى، ولا إضافة مؤشر جديد إلى منظومة القياس.

الفكرة أبسط من ذلك، وأعمق:

أن تتحدث المؤشرات إلى بعضها.

أن تُقرأ الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والبيئية والاستثمارية وغيرها ضمن إطار يستطيع مواءمتها مع الأولويات الوطنية والمعايير الوطنية والدولية ذات الصلة، من دون أن تفقد كل جهة اختصاصها أو يفقد كل مؤشر وظيفته.

فالتنمية التشاركية لا تعني فقط تعدد الجهات التي تصنع الأثر؛ إنها تجعل القدرة على قراءة أثر هذه الجهات مجتمعة أكثر أهمية أيضًا.

فالقياس لا يصنع مساهمة القطاع الخاص، لكنه يجعلها أكثر وضوحًا، ويساعد على معرفة أين يترك القطاع أثره، وأين تتسع مساحة هذا الأثر، وكيف يرتبط بالأولويات الوطنية.

وهنا يتحول المؤشر من رقم يصف ما حدث إلى أداة تساعدنا على قراءة ما تصنعه التنمية أثناء حدوثها.

من الوزن الاقتصادي… إلى المقاس التنموي

نستطيع اليوم أن نقرأ وزن القطاع الخاص في الاقتصاد، ونقرأ جوانب متعددة من أثره من خلال منظومات ومؤشرات مختلفة.

وما يستحق التفكير هو ما يمكن أن تقوله هذه المؤشرات إذا اجتمعت قراءاتها.

أين تقف المنشأة على خريطة التنمية؟ وما الأثر الذي تصنعه عبر نشاطها الاقتصادي والاجتماعي والبيئي؟ وكيف تتحول هذه القراءات المتعددة إلى صورة أدق لمساهمة القطاع الخاص في التنمية السعودية؟

وربما تكمن قيمة السؤال في أنه لا يفترض غياب المساهمة؛ فقد تكون المساهمة أوسع بكثير مما تستطيع قراءة منفردة أن تظهره.

نحن نعرف وزن القطاع الخاص الاقتصادي، ولدينا الكثير من المقاسات المتفرقة لأثره؛ وما ينقص الصورة هو أن نعرف مقاسه التنموي كاملًا.

وربما لا تبدأ الإجابة بإضافة مؤشر جديد.

ربما تبدأ بلَمّ شمل «المؤشرات وأخواتها».



إقرأ المزيد