جريدة الرياض - 8/10/2026 3:03:27 AM - GMT (+2 )
كل صباح، تفتح آلاف بقالات الأحياء أبوابها قبل أن تستيقظ المدن بالكامل، يبدأ المشهد برفوف الخبز والألبان والمياه، ثم يتسع ليشمل مئات السلع التي تدخل يوميًا إلى منازل السعوديين، تبدو البقالة نشاطًا بسيطًا، لكنها في الحقيقة تمثل الحلقة الأخيرة في سلسلة إمداد واسعة، وتدير تدفقات مالية يومية بملايين الريالات.
ورغم حضورها في كل حي، ما زال هذا القطاع من أكثر قطاعات التجزئة تشتتًا. ويطرح ذلك سؤالًا يتكرر في الأوساط الاقتصادية: من يدير هذه البقالات فعليًا؟ وهل تدار بوصفها منشآت مستقلة، أم أنها أصبحت في بعض الحالات جزءًا من شبكات تجارية غير مرئية؟
حجم السوق
يوضح تقرير الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة "منشآت" عن قطاع الجملة والتجزئة حجم السوق؛ فقد بلغ عدد متاجر التجزئة داخل المملكة نحو 114 ألف متجر في عام 2021، وشكّلت البقالات والتموينات ما يقارب 35.9 % من إجمالي متاجر التجزئة، أي ما يعادل نحو 41 ألف منشأة، بينما تجاوزت مبيعات تجارة التجزئة داخل المتاجر 316 مليار ريال في العام نفسه، ورغم أن الرقم يشمل جميع أنشطة التجزئة، فإنه يعكس الوزن الاقتصادي الكبير لهذا القطاع، ويؤكد أن أي خلل فيه ستكون له آثارٌ مباشرةٌ على المنافسة والأسعار وسلاسل الإمداد.
وهذا الحجم الاقتصادي يجعل البقالة أكثر من مجرد منفذ بيع؛ فهي نقطة اتصال بين المستورد والموزع والمستهلك، وأي طرف ينجح في السيطرة على هذه الحلقة يمتلك قدرة كبيرة على توجيه حركة السلع.
سيطرة العمالة
خلال السنوات الماضية، ارتبطت بقالات الأحياء في الوعي العام بوجود عمالة وافدة من جنسيات محددة تتولى الإدارة اليومية للمتاجر، غير أن الربط بين جنسية العامل والسيطرة على القطاع لا يستند إلى بيانات رسمية منشورة؛ فلا توجد إحصاءات تثبت هيمنة جنسية بعينها على البقالات في المملكة.
لكن ذلك لا يمنع من دراسة ظاهرة أخرى أكثر أهمية، وهي تشكُّل شبكات تشغيل وتوريد تعتمد على روابط القرابة أو الجنسية، ففي بعض الحالات، يتولى العامل إدارة البقالة، ويتعامل مع الموردين، ويحدد المشتريات، ويستقطب عمالًا من الدائرة نفسها، بينما يقتصر دور صاحب السجل التجاري على الملكية النظامية، وإذا ثبت أن المستفيد الحقيقي من النشاط هو غير المصرّح له بممارسته، فإن القضية تنتقل من مجرد إدارة تشغيلية إلى نطاق التستر التجاري الذي يجرّمه النظام.
وقد شددت وزارة التجارة مرارًا على أن تمكين غير السعودي من ممارسة النشاط لحسابه الخاص باستخدام سجل المواطن أو ترخيصه يعدّ مخالفة تستوجب العقوبات، كما أن نظام مكافحة التستر التجاري يربط المخالفة بالمستفيد الفعلي من النشاط، لا بجنسية العامل أو وظيفته.
شبكة توريد مغلقة
ويظهر تحدٍّ آخر أقل حضورًا في النقاش العام يتعلّق بسلاسل التوريد؛ فمن الطبيعي أن تعرض البقالات منتجات يمنية أو هندية أو بنغالية أو غيرها، لاسيما في الأحياء التي تضم جاليات تطلب هذه السلع، كما أن استيراد تلك المنتجات يعدّ نشاطًا مشروعًا متى تم عبر القنوات النظامية، وخضع لإجراءات الهيئة العامة للغذاء والدواء وهيئة الزكاة والضريبة والجمارك.
ويبدأ طلب التدخل عندما تتحوّل البقالة إلى منفذ دائم لتسويق منتجات مرتبطة بشبكة توريد مغلقة، فوجود عامل يدير عدة متاجر، ويتعامل مع موردين محددين، ويمنح مساحة ثابتة لمنتجات بعينها، قد يخلق سوقًا موازيةً يصعب قياسها إذا غابت الشفافية في المشتريات والمبيعات، وهنا لا تكمن المشكلة في بلد منشأ المنتج، وإنما في معرفة من يملك قرار الشراء، ومن يحقّق العائد الاقتصادي النهائي.
اقتصاد الظل
وهذه البيئة تفتح بابًا لاحتمالات اقتصاد الظل، وهو الاقتصاد الذي تتحرك فيه أنشطة أو تدفقات مالية خارج الرقابة الكاملة، سواء عبر التستر أم ضعف الإفصاح أم غياب البيانات الدقيقة، ولا يعني ذلك أن جميع البقالات تمارس هذه الأنشطة، لكنه يطرح سؤالًا مشروعًا حول قدرة السوق الحالية على كشفها عند وقوعها.
ورغم التطور الكبير في الفوترة الإلكترونية، والدفع غير النقدي، وحملات مكافحة التستر، فإن طبيعة القطاع ما زالت تعتمد على عشرات الآلاف من المنشآت الصغيرة المتفرقة، لكل منها مورده ونظامه وآلية إدارته، وهو ما يجعل الرقابة أكثر تعقيدًا مقارنةً بالسلاسل التجارية الكبرى.
تعاونية البقالات
ووسط هذا الواقع، تبرز فكرة تستحق النقاش أكثر من كونها مشروعًا جاهزًا للتنفيذ، وهي إنشاء شركة وطنية تكافلية تضم أصحاب البقالات أنفسهم، لا تقوم الفكرة على شراء المتاجر أو إلغاء ملكيتها، وإنما على إنشاء كيان مملوك لهم يتولى التفاوض الجماعي مع الموردين، وإدارة المشتريات، وتشغيل الأنظمة الرقمية، وتطوير الخدمات اللوجستية، وإطلاق منصة موحّدة للتوصيل، مع توفير قواعد حوكمة تتيح لصاحب البقالة متابعة نشاطه بصورة مباشرة.
وهذا النموذج ليس جديدًا عالميًا؛ فقد نجحت تعاونيات تجار التجزئة في ألمانيا وهولندا وإيطاليا في توحيد آلاف المتاجر المستقلة تحت مظلة واحدة، مع احتفاظ كل متجر بملكيته، كما طوّرت الكويت نموذج الجمعيات التعاونية الذي أصبح لاعبًا رئيسًا في تجارة التجزئة، وإن كان يختلف في بنيته عن فكرة شركة يملكها أصحاب البقالات.
وفي المملكة قد يوفّر هذا النموذج مزايا إضافية؛ فالتفاوض الموحَّد مع الموردين يخفّض تكلفة الشراء، وإدارة البيانات تكشف الأنماط غير الطبيعية في المبيعات والمخزون، وتوحيد الأنظمة يرفع مستوى الامتثال، كما يمنح أصحاب البقالات قدرةً تنافسيةً أكبر أمام السلاسل الكبرى ومنصات التجارة الإلكترونية.
إقرأ المزيد


