جريدة الرياض - 7/30/2026 2:35:24 AM - GMT (+2 )
لم يكن الكشف عن المخطط العام لشمال شرق الرياض مجرد خطوة عقارية عابرة، بل إنه يمثل مخططا جديدا نموذجياً لما تشهده مختلف مناطق المملكة من توسع عمراني متسارع، تقوده رؤية المملكة 2030، التي جعلت المدن الجديدة والمخططات الكبرى أحد أهم محركات الاقتصاد غير النفطي، عبر رفع جاذبية الاستثمار العقاري، وتطوير البنية التحتية، وخلق أسواق عمرانية جديدة تمتد من الرياض إلى المنطقة الشرقية والغربية والشمالية.
والمخطط الذي كشفت عنه الهيئة الملكية لمدينة الرياض يقع على مساحة تقارب 456 كيلومتراً مربعاً، في خطوة تعكس انتقال التنمية العمرانية من التوسع التقليدي إلى التخطيط الاستراتيجي طويل المدى، القائم على إنشاء مجتمعات متكاملة تدعم الاقتصاد، وترفع جودة الحياة، وتستوعب النمو السكاني والاستثماري خلال العقود المقبلة.
ورصدت "الرياض" حجم التوسع العمراني في مناطق عدة من المملكة، إذ تشهد العاصمة الرياض نموا في جميع الاتجاهات، ويتميز المخطط الجديد بموقع استراتيجي يربط المنطقة بمطار الملك خالد الدولي ووادي السلي وطريقي الدمام والجنادرية، ويضع تصوراً متكاملاً لتوزيع الاستخدامات السكنية والاقتصادية والترفيهية والطبيعية، مع إنشاء مجتمعات متكاملة ترتبط بالخدمات اليومية، بما يدعم التوسع المرحلي للعاصمة خلال السنوات المقبلة.
ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار تنفيذ مشاريع كبرى في العاصمة، تشمل مدينة الأمير محمد بن سلمان غير الربحية، الدرعية، المكعب، حديقة الملك سلمان، المسار الرياضي، إكسبو 2030، ومطار الملك سلمان الدولي، وهي مشاريع يتوقع أن تعزز الطلب على التطوير العقاري وترفع مساهمة القطاع في الاقتصاد الوطني.
مناطق تتوسع
وليس بعيدا عن التوسع العمراني يواصل القطاع العقاري بالمنطقة الشرقية توسعه مستفيداً من النمو الصناعي واللوجستي، إذ تشهد الدمام والخبر والظهران والجبيل ورأس الخير توسعاً عمرانياً متواصلاً، مدعوماً بمشروعات الإسكان، والمناطق الصناعية، والموانئ، وشبكات النقل، كما تسجل محافظات مثل القطيف والأحساء توسعاً في المخططات السكنية ومشروعات جودة الحياة، بالتوازي مع الاستثمارات الحكومية والخاصة في البنية التحتية، ما يعزز الطلب على الأراضي المطورة ويزيد من جاذبية الاستثمار العقاري في المنطقة.
وفي المنطقة الغربية نمو تقوده السياحة والحج، إذ تشهد واحدة من أكبر موجات التطوير العمراني، مدفوعة بمشروعات وسط جدة، جدة التاريخية، الواجهة البحرية، مطار الملك عبدالعزيز، ومشروعات مكة المكرمة والمدينة المنورة، إضافة إلى توسع مشاريع البحر الأحمر وأمالا، التي خلقت طلباً جديداً على التطوير العقاري والسياحي، وأسهمت في إعادة تشكيل الخريطة الاستثمارية للمنطقة.
وفي شمال المملكة، تتصدر نيوم، ذا لاين، أوكساجون، تروجينا المشهد العمراني، إلى جانب مشروعات واعدة في تبوك والجوف وحائل، فيما يشكل مشروع نيوم أكبر مشروع حضري وتنموي في تاريخ المملكة، مستهدفاً جذب الاستثمارات العالمية وخلق اقتصاد جديد قائم على الابتكار والتقنيات المتقدمة. كما تشهد العلا توسعاً عمرانياً متوازناً يحافظ على الإرث الحضاري، ويواكب النمو السياحي والاستثماري.
العقار محرك
ويرى اقتصاديون أن التوسع العمراني أصبح أحد أبرز محركات الاقتصاد السعودي، في ظل ارتفاع مساهمة الأنشطة غير النفطية، التي بلغت نحو 55 % من الناتج المحلي الإجمالي خلال عام 2025، مع نمو الاقتصاد غير النفطي بنسبة 4.9 %، وهي مؤشرات تعكس تنامي دور قطاعات الإنشاءات والعقار والخدمات في قيادة الاقتصاد الوطني، فيما تجاوزت مساهمة برنامج جودة الحياة 78 مليار ريال في الناتج المحلي، مع استثمارات غير حكومية بلغت 21.8 مليار ريال، ما يؤكد الأثر الاقتصادي المباشر للمشروعات العمرانية الكبرى على مختلف القطاعات، وتوقع مختصون أن تؤدي المدن الجديدة إلى توسيع السوق العقارية عبر معطيات، أهمها رفع المعروض من الأراضي المطورة، خلق مراكز اقتصادية جديدة خارج النطاقات التقليدية، زيادة الطلب على الوحدات السكنية والتجارية، جذب استثمارات القطاع الخاص، تعزيز مساهمة التطوير العقاري في الناتج المحلي، ودعم قطاعات المقاولات والتمويل ومواد البناء والخدمات اللوجستية.
وشدد عقاريون على أهمية مخطط شمال شرق الرياض، إذ أن المملكة انتقلت من مرحلة التوسع العمراني التقليدي إلى مرحلة صناعة المدن المستقبلية، حيث لم تعد التنمية تقتصر على توفير الأراضي السكنية، بل أصبحت تقوم على إنشاء منظومات حضرية متكاملة تجمع بين الاقتصاد والسكن والخدمات والنقل والبيئة، بما يجعل القطاع العقاري أحد أهم روافع النمو الاقتصادي، وأحد المحركات الرئيسة لتحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030.
وقال م. نبيه البراهيم، عضو مجلس الشورى السابق: "إن المخطط العام لشمال شرق الرياض يمثل خطوة استراتيجية موفقة، تعكس أهمية التخطيط الحضري بعيد المدى"، موضحًا أن نجاح المدن لا يُقاس بسرعة التوسع العمراني وحدها، بل بجودة التخطيط الذي يحقق التوازن بين النمو السكاني، واستعمالات الأراضي، والبنية التحتية، والمحافظة على المساحات الطبيعية، بما يضمن مدنًا أكثر كفاءة واستدامة وجودة للحياة.
وأضاف، "إن التخطيط الحضري الناجح يبدأ برؤية مستقبلية شاملة تنظم استعمالات الأراضي لسنوات مقبلة، وتعزز حماية المساحات الطبيعية، وتوفر بنية تحتية وخدمات متوازنة، بما يؤسس لمدن قادرة على استيعاب النمو لعقود من الزمن، مع المحافظة على جودة الحياة ورفع كفاءة التنمية الحضرية"، مؤكدا أن التوسع العمراني الذي تشهده مناطق المملكة يعكس تحولًا نوعيًا في مفهوم بناء المدن، إذ لم يعد التوسع مقتصرًا على إضافة مخططات وأحياء سكنية جديدة، بل أصبح يقوم على إنشاء مجتمعات حضرية متكاملة، ترتبط فيها المساكن بمواقع العمل والخدمات والتعليم والصحة والنقل والمساحات الخضراء.
وأشار إلى أن المشاريع الكبرى في الرياض والمنطقة الشرقية والغربية والشمالية تسهم في تكريس مفهوم التنمية الشاملة المتوازنة، وخلق مراكز اقتصادية وعمرانية جديدة، وتخفيف الضغط عن مراكز المدن القائمة، إلى جانب دعم السوق العقارية وقطاعات المقاولات ومواد البناء والنقل والخدمات، مبينا أن نجاح التوسع العمراني يتطلب تنفيذًا مرحليًا متوازنًا يسبق فيه تطوير البنية التحتية تحديد استعمالات الأراضي وربطها بشبكات الطرق والنقل العام، وحماية الأودية والمواقع الطبيعية، وضمان كفاءة استخدام الموارد، متمنيا التوفيق للهيئة الملكية لمدينة الرياض في تنفيذ المخطط الطموح، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، ويسهم في بناء نموذج حضري مستدام يمكن الاستفادة منه في مختلف مناطق المملكة.
نقطة تحول
وقال الخبير العقاري محمد الحماد: "إن اكتمال إعداد المخطط العام لشمال شرق الرياض يمثل نقطة تحول جديدة في مسيرة التنمية العمرانية بالعاصمة، ويؤكد أن المملكة انتقلت من مرحلة التوسع الأفقي التقليدي إلى مرحلة التخطيط الحضري الشامل الذي يبني مدناً متكاملة قادرة على استيعاب النمو السكاني والاقتصادي لعقود مقبلة، وفق مستهدفات رؤية المملكة 2030"، موضحا أن تخصيص مساحة تقارب 456 كيلومتراً مربعاً لمخطط جديد بهذا الحجم يعكس حجم الثقة في مستقبل الرياض، التي أصبحت واحدة من أسرع العواصم نمواً في العالم، مشيراً إلى أن المخطط لا يقتصر على توفير أراضٍ سكنية، بل يضع تصوراً متكاملاً للاستخدامات السكنية والتجارية والاقتصادية والترفيهية والبيئية، ويرتبط بشبكة الطرق الرئيسة ومطار الملك خالد الدولي، وهو ما يمنحه قيمة استثمارية كبيرة منذ المراحل الأولى للتطوير.
وأضاف، "إن هذا النوع من التخطيط يسهم في تحقيق توازن أكبر بين العرض والطلب في السوق العقارية، ويحد من التوسع العشوائي، ويرفع كفاءة استغلال الأراضي، كما يوفر بيئة جاذبة للمطورين العقاريين والمستثمرين، ويشجع القطاع الخاص على ضخ استثمارات جديدة في مشاريع الإسكان والمراكز التجارية والخدمات اللوجستية".
وأشار إلى أن الرياض تشهد اليوم أكبر ورشة تطوير عمراني في تاريخها، مع تنفيذ مشاريع استراتيجية كبرى، مؤكداً أن تكامل هذه المشاريع مع المخططات الجديدة سيخلق مراكز حضرية واقتصادية حديثة، ويعزز مكانة العاصمة كإحدى أبرز المدن العالمية للاستثمار والعيش، وتابع "إن الأثر الاقتصادي للمخطط سيمتد إلى قطاعات عديدة، منها المقاولات، ومواد البناء، والتمويل العقاري، والخدمات، والنقل"، مبيناً أن كل مدينة جديدة يتم تطويرها لا تضيف وحدات سكنية فحسب، بل تخلق فرص عمل، وتحفز النشاط التجاري، وترفع مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي، بما يجعل التنمية العمرانية أحد أهم المحركات المستدامة للاقتصاد السعودي خلال المرحلة المقبلة.
الشرقية تتوسع
وقال الخبير العقاري حسين النمر: "إن المنطقة الشرقية تعيش مرحلة جديدة من النمو العقاري، مدفوعة بحزمة من المشاريع التنموية والاستثمارية الكبرى التي تنفذها الدولة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، مؤكداً أن السوق لم يعد يعتمد على النمو السكاني فقط، بل أصبح يرتكز على التنمية الاقتصادية وتوسع المدن والبنية التحتية، وهو ما يخلق فرصاً استثمارية مستدامة في مختلف المحافظات، وأبان بأن المدن الرئيسة في الشرقية، وفي مقدمتها الدمام والخبر والظهران والجبيل والأحساء والقطيف، تشهد توسعاً عمرانياً متواصلاً، سواء في المخططات السكنية الجديدة أو المشاريع التجارية واللوجستية، بالتزامن مع تنفيذ مشاريع نوعية في شبكات الطرق، والموانئ، والقطاع الصناعي، الأمر الذي يعزز الطلب على الأراضي المطورة والوحدات السكنية والتجارية، ويرفع من جاذبية المنطقة للمستثمرين المحليين والدوليين.
وأشار إلى أن التوسع العمراني لم يعد مجرد زيادة في المساحات السكنية، بل أصبح يعتمد على إنشاء مجتمعات متكاملة تتوافر فيها الخدمات والمرافق وفرص العمل، وهو ما يسهم في رفع جودة الحياة ويمنح المشاريع العقارية قيمة مضافة على المدى الطويل. وأضاف أن تطوير البنية التحتية، وربط المدن بشبكات النقل الحديثة، يعدان من أهم العوامل التي تدعم استقرار السوق العقارية وتعزز من كفاءة الاستثمار، مؤكدا أن المنطقة الشرقية تمتلك مزايا تنافسية تجعلها من أكثر المناطق جذباً للاستثمار العقاري، بفضل موقعها الاستراتيجي، واحتضانها أكبر المدن الصناعية والموانئ، إضافة إلى المشاريع المرتبطة بقطاعي الطاقة والخدمات اللوجستية، مبيناً أن هذه المقومات ستنعكس على استمرار الطلب الحقيقي على العقارات، وليس الطلب المضاربي فقط.
وعن مخطط شمال شرق الرياض قال: "يمثل نموذجاً للتخطيط الحضري الحديث الذي ستستفيد منه مختلف مناطق المملكة"، متوقعاً أن تشهد السنوات المقبلة إطلاق مخططات ومدن جديدة في عدد من المناطق، بما يعزز مساهمة القطاع العقاري في الناتج المحلي، ويرفع من حجم الاستثمارات، ويؤسس لمرحلة جديدة من التنمية العمرانية المستدامة في المملكة.
إقرأ المزيد


