جيل السياحة: لماذا اختارت شركة "البحر الأحمر الدولية" الطريق الأصعب لتوطين وظائفها منذ اليوم الأول؟
جريدة الرياض -

في عالم السياحة والضيافة، وبخاصة في الوجهات الراقية، تبدو المعادلات أحياناً بسيطة ومغرية: بناء وجهة فاخرة، ثم استقطاب خبراء وموظفين موهوبين من بلدان راسخة القدم في السياحة، يليها فتح الأبواب للزوار. هذا هو "الطريق الأسهل" الذي تسلكه العديد من الوجهات السياحية العالمية والإقليمية والمحلية؛ لضمان جودة الخدمة منذ اللحظة الأولى. لكن ماذا لو كان هذا الطريق لا ينسجم مع رؤية دولة تسابق الزمن لإعادة صياغة اقتصادها وتمكين شبابها والنهوض بسياحتها نحو العالمية؟ وهل نضجت شروط التغيّر الثقافي من أجل تقديم تجربة سياحية وطنية راقية جوهرها الإنسان السعودي؟

عندما بدأت شركة "البحر الأحمر الدولية" في رسم ملامح وجهاتها السياحية المتجددة والأكثر طموحاً في العالم، وقفت أمام مفترق طرق عند بلوغ مرحلتها التشغيلية. وبدون تردّد، فضّلت الشركة سلوك "الطريق الأصعب"، الذي يقوم على بناء الإنسان السعودي سياحياً وتأهيله وتقديمه إلى العالم سفيراً لثقافة سياحية جديدة تحت مسمّى "جيل السياحة".

رفع سقف التحدّي: النجاح أو النجاح!

هذا "الطريق الأصعب"، الذي تسلكه شركة "البحر الأحمر الدولية"، لم يكن مجرد ترف سياحي أو شعار استهلاكي، بل كان قراراً استراتيجياً حاسماً يعكس إيماناً عميقاً بأن التنمية السياحية الوطنية الحقيقية تبدأ من الإنسان السعودي، الذي يشكّل مع الأرض والاقتصاد الثلاثية الذهبية للتنمية الوطنية الشاملة.

وفي هذا السياق، يلخص أحمد غازي درويش، كبير الإداريين والمتحدث الرسمي لشركة "البحر الأحمر الدولية"، فلسفة الشركة حول المضي قدماً في تأهيل "جيل السياحة" السعودي بعبارة جازمة لا تقبل التأويل: "ليس أمامنا إلا خياران لا ثالث لهما: إمّا أن ننجح.. أو ننجح".

إنها العبارة، التي أشعلت حماس 386 خرّيجًا وخرّيجة وأهاليهم خلال حفل تخرّج الدفعة الرابعة من برنامج "البحر الأحمر الدولية للتدريب المهني"، الذي عقد مؤخراً في جدة. ولا ينفصل التدريب عن التوظيف، إذ لا يكتفي البرنامج بمنح درجة الدبلوم، بل يربط الخرّيجين والخرّيجات بفرص توظيف فعلية لدى مشغّلي وجهتَي "البحر الأحمر" و"أمالا" ومنشآتهما.

تقول منى سراج مدير إدارة العلاقات والتواصل المؤسسي في شركة "البحر الأحمر الدولية":" كان بإمكاننا استقطاب الخبرات السياحية الجاهزة من دول أخرى، وبالتالي توفير الوقت والجهد والمال، لكننا اخترنا الرهان على أبناء وبنات الوطن، في قطاع لم يعتادوا عليه بعد، وبمعايير عالمية لا تحتمل المساومة على مستويات جودة الضيافة. إنه رهان يفرض تحدّيات كبيرة ومسارات معقّدة وشراكات متشابكة واستثمارات وفيرة، لكنه واعد بمستقبل سياحي وطني مستدام بشريًا".

وتضيف: "مضينا في الطريق الأصعب. واليوم، نحصد ثمار استثمارنا في الإنسان السعودي، نحن نصنع "جيل السياحة" من السعوديين والسعوديات، الذين سيقودون مستقبل التحوّل السياحي في بلادنا.

بلغت نسبة الخرّيجات في الدفعة الرابعة 56.5%، فيما شكّل أبناء وبنات أهالي مناطق البحر الأحمر أكثر من 35% من المقبولين. نجحت الشركة حتى الآن في تخريج رأسمال بشري قوامه 1,500 مواطن ومواطنة. تعكس تلك الأرقام رغبة حقيقية في تمكين المرأة والأهالي وجعلهما ضمن أبرز شركاء التنمية السياحية الوطنية. إنه تطبيق عملي لمفهوم "اللامركزية التنموية"، الذي يصنع فرصًا مجزية لأهالي مناطق البحر الأحمر، ويبقيهم في مناطقهم بدلاً من الاتجاه نحو المدن الكبرى.

شغف الطبخ: الخطأ بوابة الإبداع

"إعداد أطباق مميزة هو التحدي الذي يولد كلّ يوم. هذا التحدي اليومي تحوّل إلى شغف حقيقي، بفضل بيئة تدريبية تدعم التعلم من الأخطاء. كنت أخشى من الخطأ في وضع المكونات، لكن التشجيع على تكرار المحاولة وتصحيح الأخطاء أطلق الإبداع بداخلي."، هذا ما يقوله الخريج المتخصص في الضيافة الفاخرة عبد العزيز السلمي، الذي ينضم بصفته طباخًا إلى فريق الضيافة الراقية في منتجع "إس إل إس البحر الأحمر" في جزيرة "شورى" مطلع العام المقبل.

لا يقتصر مفهوم الضيافة الفاخرة على تقديم طعام شهي أو غرفة راقية نظيفة أو ابتسامة مهذّبة، بل يتعدّاها إلى قراءة أفكار الضيف وتوقع احتياجاته قبل أن ينطق بها، وتحويل كل لحظة إلى تجربة استثنائية لا تُنسى. هذا المستوى من الخدمة يتطلب مهارات استثنائية لا تُكتسب إلا بالممارسة والتجريب، لكنه يتطلب أيضاً بيئة تدريبية تسمح بالخطأ وتحتضنه بوصفه جزءًا أصيلًا من عملية التعلّم واكتساب المهارات.

ويصف السلمي نفسه بأنه طبّاخ طموحه التعمّق والتخصّص في المطبخ الإيطالي، لكن عمله لا يقتصر على ذلك، موضحًا:" لم أتعلّم إعداد أطباق الطعام المحلية والعالمية فقط، بل فنون وأساليب تقديم الطعام إلى الضيوف، إلى جانب إعداد المشروبات وتقديمها. تدرّبت على فنون ومهارات الطبّاخ والنادل والساقي في آن واحد، وجرّبت ذلك حرفيًا خلال فترة التطبيق العملي."

لقد تجاوز السلمي وزملاؤه عقبات كثيرة، بدءاً من تحدي إتقان اللغة، مروراً بكسر الصورة النمطية المرتبطة بوظائف الضيافة والخدمة، وصولاً إلى التدريب على تخصصات لم تكن معروفة محلياً إلا في نطاق ضيق.

التخصّص الأكثر ندرة

"قد يصاب الإنسان بالاحتراق الوظيفي أو تراكم ضغوط الحياة، وبالتالي نسيان الاهتمام بالجوانب النفسية وعدم تجدّد الطاقة. هذا هو مسرح عمليات السياحة الصحية والاستشفائية. الضيف لا يأتي فقط للاسترخاء الجسدي، بل لتجديد طاقته الروحية والنفسية والتحرر من ضغوط الحياة اليومية."، بهذه الكلمات الموجزة تصف خرّيجة عمليات السياحة الصحية والاستشفائية، ود فقيه، طبيعة هذا التخصص الجديد على الساحة السياحية السعودية.

وتضيف:" وجهة "أمالا" مخصصة للصحة الاستشفائية، حيث مكان عملي. مهمتنا الاستشفائية هي إسعاد الضيف، فنحن نقدم له التجربة التي سيستكشفها ويشعر بها في أعماقه. سيكتشف الضيف ذاته، ومواهبه الكامنة، ويتعامل مع أفكاره بأسلوب صحي. نقدّم لضيفنا الخيارات والمشورة، وهو يقرّر."

يعد تخصّص السياحة الاستشفائية نادرًا من حيث وفرة الكوادر الوطنية، فلم يكن في السعودية وجهة سياحية متخصّصة بهذا النوع قبل بناء وجهة "أمالا"، التي بدأت شركة "البحر الأحمر الدولية" بافتتاح أولى منتجعاتها مؤخرًا. إنّها وجهة عالمية متخصصة في الاستشفاء والرفاهية، صُممت لتكون محطّة عالمية مقصودة في هذا المجال. أمّا العنصر الأهم، فهو وجود كوادر بشرية عالية التخصّص، تفهم فلسفة المكان وتتقن لغة الجسد والروح ضمن إطار الضيافة الراقية. كيف؟

من أجل التعرّف على آليات عمل هذا التخصص على أرض الواقع، يصف الخرّيج فارس العسيري، الذي سيعمل في منتجع ومساكن "إكوينوكس أمالا"، دوره بأنه "حلقة وصل" بين عوالم متعددة، شارحًا ذلك بقوله: " تكون لدي خلفية مسبقة عن الضيف والهدف من قدومه، لذا أعرف تماماً احتياجاته وكيفية التعامل معه. أنا أُسهل رحلة الضيف. أنا حلقة الوصل بينه وبين الخبير النفسي والمعالج ومدرب الرياضة والتأمّل. أنا أيضًا أنسق جوانب التغذية مع الطباخ، الذي يقدم طعاماً صحياً ينقي الجسم من الداخل. جوهر العمل هو التركيز التام على مفهوم الرفاهية الصحية.

ويؤكّد العسيري على أهمية فهم نفسية الضيف في هذا النوع من السياحة بقوله: "أنت تملك خلفية مسبقة عن الضيف والهدف من قدومه، لذا تعرف تماماً كيف تتعامل معه وتتخاطب معه بأسلوب يريحه ويجهزه لرحلة ممتعة من الاستشفاء والاسترخاء والتأمل والطعام اللذيذ. إنّها رعاية شاملة كاملة."

وحول ما إن كان اختيار هذا التخصص الجديد كلياً يمثل مغامرة، يجيب العسيري بثقة: "نحن نحب التحديات. قررنا خوض التجربة. إننا نضع أقدامنا بثبات على أرض الواقع إن شاء الله. نركّز على الضيافة السعودية الفاخرة وإضفاء الطابع الشخصي على الخدمة بكلّ تميّز."

الأمن السياحي

لا يوجد جهاز حكومي في السعودية يحمل مسمى " الأمن أو الشرطة السياحية". معظم المهرجانات والمواقع السياحية موجودة في نطاق المدن أو حولها، ويكفي قيام الأمن العام بالتنسيق مع المنظمين والحراسات. وفي حالة شركة "البحر الأحمر الدولية"، كانت الحاجات الأمنية مختلفة، فالوجهات بعيدة عن العمران المدني وأساليب التعامل مع السياح في وجهات استرخائية واستشفائية تختلف عنها في أي مكان آخر.

وتشرح منى سراج أحد أكثر المسارات ابتكارًا ضمن المسارات الستة لبرنامج "البحر الأحمر للتدريب المهني": "أدرجنا تخصص "الأمن السياحي" ضمن مساراتنا التدريبية. يحتاج ضبط الأمن في المرافق السياحية إلى أشخاص بمعايير محدّدة ومدربين على أعلى مستوى ويتحدثون أكثر من لغة ويتقنون التعامل مع السياح. نحن نصمّم برامجنا التدريبية وأعداد المقبولين بناءً على الحاجات الفعلية في الوجهات."

تضم تخصّصات برنامج "البحر الأحمر الدولية للتدريب المهني" كلّاً من عمليات السياحة الصحية والاستشفائية، والضيافة الفاخرة، وخدمات المطارات، والخدمات الفنية، والأمن السياحي وتقنية المعلومات. ولا يزال هناك 900 متدرّبة ومتدرب يواصلون مهمّاتهم التدريبية لرفد مشغّلي وجهات الشركة ومرافقها بالمزيد من الكوادر السعودية مع تخريج كل دفعة.

لقد اختارت شركة "البحر الأحمر الدولية" الطريق الأصعب منذ اليوم الأول، لكنه الطريق الوحيد الذي يضمن "الاستدامة البشرية" الحقيقية، ويصنع قصة نجاح مؤثرة في بناء الإنسان السعودي سياحيًا، تكتبها أنامل أبنائها وبناتها. إن قاطرة النمو السياحي في السعودية لا تمضي بالإنشاء والتعمير وحدهما، بل تمضي بوقود "جيل السياحة" الذي يحتضن العالم بأسره بمعادلة: "ننجح أو ننجح".



إقرأ المزيد