جريدة الرياض - 6/2/2026 2:25:27 AM - GMT (+2 )
تمثل جلود الأضاحي والهدي في المملكة العربية السعودية مورداً اقتصادياً وصناعياً يتجاوز مفهوم المخلفات الموسمية، إذ تدخل ضمن سلسلة إنتاجية تمتد من المسالخ إلى الصناعات التحويلية المحلية والأسواق العالمية، ومع تزايد أعداد الذبائح خلال مواسم الحج وعيد الأضحى، تبرز الجلود بوصفها مادة خام ذات قيمة اقتصادية يمكن الاستفادة منها في صناعات متنوعة تشمل المنتجات الجلدية والدوائية والغذائية.
وتُعد المملكة من الدول ذات المقومات الكبيرة في قطاع الجلود، مدعومة بقاعدة واسعة من الثروة الحيوانية. ووفقاً لبيانات الهيئة العامة للإحصاء لعام 2024، تجاوز عدد الضأن في المملكة 22 مليون رأس، فيما بلغ عدد الماعز نحو 7.4 ملايين رأس، والإبل قرابة مليوني رأس، والأبقار نحو نصف مليون رأس، ما يوفر مصدراً مستداماً للمواد الخام المرتبطة بالصناعات الجلدية.
وتزداد أهمية هذا القطاع خلال موسم الحج، حيث تشهد المشاعر المقدسة ومرافق الذبح المعتمدة تنفيذ أعداد كبيرة من النسك. وأظهرت بيانات مشروع المملكة العربية السعودية للإفادة من الهدي والأضاحي (أضاحي) أن المشروع نفذ خلال موسم حج 1446هـ أكثر من 820 ألف نسك من الهدي والأضاحي والفدية والصدقات، في واحدة من أكبر عمليات الذبح المنظمة على مستوى العالم. ويعكس هذا الرقم حجم الجلود التي يمكن الاستفادة منها سنوياً عبر عمليات الجمع والمعالجة والتصنيع.
وتبدأ رحلة الجلد منذ اللحظات الأولى بعد الذبح، حيث يتم سلخه وحفظه وفق اشتراطات محددة لضمان جودته، ثم نقله إلى منشآت متخصصة تتولى عمليات الفرز والتنظيف والمعالجة الأولية. وبعد ذلك يُرسل إلى المدابغ التي تقوم بعمليات الدباغة والتحويل الكيميائي والفيزيائي اللازمة لإنتاج جلد صالح للاستخدام الصناعي والتجاري.
ويشير مختصون في القطاع إلى أن جودة الجلد تتأثر بعدة عوامل تشمل نوع "السلالة والعمر وطريقة التربية وآلية السلخ والحفظ" ما يجعل الالتزام بالمعايير الفنية عاملاً رئيسياً في رفع القيمة الاقتصادية للمنتج النهائي. وتتمتع الجلود المستخرجة من الأغنام والإبل والأبقار في المملكة بخصائص تجعلها مناسبة لعدد من الاستخدامات الصناعية المختلفة.
ولا تقتصر الاستفادة من الجلود على "صناعة الأحذية والحقائب والأحزمة والملابس الجلدية"، بل تمتد إلى مجالات صناعية أخرى ذات قيمة مضافة مرتفعة. فالجلود تدخل في صناعة الأثاث الفاخر ومقاعد السيارات وبعض التطبيقات الهندسية، كما تستخرج من المنتجات الحيوانية المرتبطة بالجلود مواد تستخدم في الصناعات الدوائية والغذائية، من بينها الجيلاتين والكولاجين اللذان يدخلان في عدد من المستحضرات الطبية والمكملات الغذائية.
ويمثل قطاع الجلود أحد المجالات التي تتوافق مع توجهات الاقتصاد الدائري، حيث تقوم فكرته على الاستفادة من المنتجات الثانوية للثروة الحيوانية وتحويلها إلى منتجات اقتصادية بدلاً من التخلص منها. ويُسهم ذلك في تقليل الفاقد ورفع كفاءة استخدام الموارد الطبيعية وتعزيز الاستدامة البيئية.
كما تحظى الجلود بطلب في الأسواق الدولية، حيث تُستخدم في الصناعات الجلدية المتقدمة في عدد من الدول الصناعية. ويجري تصدير جزء من الجلود أو المنتجات المرتبطة بها إلى أسواق خارجية، فيما يتم توجيه كميات أخرى إلى المصانع المحلية التي تعمل على تحويلها إلى منتجات نهائية أو شبه مصنعة تخدم احتياجات السوق المحلية.
ويرى مختصون أن القطاع يمتلك فرصاً كبيرة للنمو خلال السنوات المقبلة، خصوصاً في ظل مستهدفات رؤية السعودية 2030 الرامية إلى تنويع القاعدة الاقتصادية وزيادة مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي. ويؤكدون أن التوسع في الصناعات التحويلية المرتبطة بالجلود يمكن أن يرفع من القيمة المضافة للمنتج المحلي، ويوفر فرصاً استثمارية ووظيفية جديدة في مجالات التصنيع والتصدير والخدمات اللوجستية.
وتبرز أهمية الاستثمار في هذا القطاع من خلال تطوير تقنيات جمع الجلود وحفظها ومعالجتها، وإنشاء المزيد من منشآت الدباغة والتصنيع المتخصص، بما يضمن الاستفادة القصوى من الموارد المتاحة. كما يمكن أن يسهم تعزيز التكامل بين المسالخ والمصانع والجهات المعنية بالاستدامة في بناء منظومة اقتصادية أكثر كفاءة قادرة على تحويل ملايين الجلود الناتجة سنوياً من الثروة الحيوانية إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية وصناعية عالية.
وبينما ينظر كثيرون إلى جلود الأضاحي بوصفها ناتجاً جانبياً لعمليات الذبح، فإنها في الواقع تمثل مورداً اقتصادياً وصناعياً واعداً، يمكن أن يسهم في دعم الصناعات الوطنية وتعزيز الاستدامة وتنمية الصادرات غير النفطية، بما يتوافق مع مستهدفات التنمية الاقتصادية للمملكة خلال العقود المقبلة.
«سعيًا للحصول على معلومات دقيقة وموثقة من الجهة المختصة، خاطبت «الرياض» المركز الوطني لإدارة النفايات بتاريخ 9 ذي الحجة، وطرحت مجموعة من الاستفسارات ذات الصلة بموضوع التقرير، ولم تتلقَّ أي إجابة حتى تاريخ النشر، وذلك على الرغم من المتابعة المتكررة وطلب الإفادة رسميًا».
إقرأ المزيد


