جريدة الرياض - 5/18/2026 12:45:25 AM - GMT (+2 )
لم تكن السبعينيات والثمانينيات الميلادية في ذاكرة السعوديين مجرد مرحلة زمنية عابرة، بل كانت نقطة تحول كبرى أعادت تشكيل ملامح الوطن، حيث عرفت تلك الحقبة بـ"سنوات الطفرة"، لكنها في حقيقتها لم تكن طفرة مالية بقدر ما كانت طفرة إنسان وجد نفسه أمام تحدي بناء مرحلة تنموية ومهمه في زمن قياسي فقبل التحدي وانتصر له، حيث التقت الإرادة السياسية بالفرصة الاقتصادية، فكان الإنسان السعودي هو المحرك والترس الحقيقي لعجلة التغيير التي حدثت، في تلك السنوات، وبدت المملكة وكأنها ورشة عمل كبرى مفتوحة على امتداد الجغرافيا، فأصوات المعدات الثقيلة لم تكن مجرد ضجيج عابر، بل كانت إيقاع مرحلة جديدة تكتب ملامحها على الأرض، والطرق الدولية والإقليمية والزراعية تشق عبر الصحاري، والأحياء تنمو على أطراف المدن، والمشاريع الصناعية والتجارية والزراعية التي كانت تحتاج جيشا من المشغلين تتسارع بوتيرة غير مسبوقة وانشئت كذلك المدن الصناعية الكبرى إضافة الى مشاريع أخرى جبارة، لكن اللافت أن هذه الحركة لم تكن قائمة على المال وحده، بل على سواعد رجال آمنوا بأن المستقبل لا ينتظر بل يصنع، ورغم أن النفط كان الوقود الاقتصادي لتلك المرحلة، إلا أن العامل الحاسم كان الإنسان، في زمنٍ لم تكن فيه العمالة متوفرة كما هي اليوم في ظل حاجتنا الماسية الى الكوادر التي تشغل آلية التنمية، حينها نهض السعوديون من مختلف انحاء البلاد فرمى الراعي في الصحراء عصا غنمه، وغادر الفلاح أرضه والطالب مدرسته حتى بعض الموظفين ترك مهنته، بل أن الكثير من السعوديين الذين كانوا يعملون بوظائف عسكرية ومدينة في بعض دول الخليج ومنها الكويت قدموا استقالتهم، واتجه الجميع نحو ميادين العمل الجديدة، انصهر الشباب مع الطفرة وقادوا الشاحنات عبر الطرق الطويلة وشغلوا المعدات الثقيلة البلدوزرات والكرينات ومختلف المعدات الثقيلة، وخاضوا تجارب المقاولات والزراعة، غير منتظرين مسميات وظيفية بقدر ما كانوا يبحثون عن فرصة العمل الحر، في تلك المرحلة مثلت الصناديق التنموية، وعلى رأسها صندوق التنمية العقاري والبنك الزراعي والصناعي وغيرها من الصناديق التي كان المواطن يتقدم بطلبه للحصول على قرض كما هو الحال في الصندوق العقاري، وفي غضون أيام قليلة يتسلم كامل القرض عدا ونقد، فمثلت صناديق القروض تلك نقطة الانطلاق الحقيقية. في نفس الوقت لم تكن هذه الصناديق مجرد جهات تمويل بل أدوات تحفيز دفعت الناس نحو المبادرة، وبفعل هذا الدعم شهدت المدن توسعا عمرانيا لم يسبق له مثيل فالمواطن الذي كان يسكن في بيت طين والبدوي المتنقل في الصحراء في خيمته أصبح يسكن فيلا حديثة مجهزة بكامل وسائل الراحة، والفلاح الذي كان يسقي ارضه بالوسائل البدائية أصبح يمتلك مرشات محورية حولت مساحات واسعة من الصحراء الى جنات خضراء.
أثر القروض
وقد تحولت القروض إلى منازل قائمة، ومزارع منتجة، ومشاريع ناشئة. وبفعل هذا الحراك، شهدت المدن توسعاً عمرانياً سريعاً، فيما اكتست مساحات من الصحراء باللون الأخضر وصدر القمح السعودي الى أوروبا في مشهد لم يكن مألوفاً من قبل. ومع اتساع هذه المشاريع برز جيل من “سادة الطرق” ممن قادوا الشاحنات وواجهوا مشاق السفر الطويل، حاملين على عاتقهم مسؤولية الإمداد والبناء لتعويض النقص الذي حصل في امدادات مواد البناء الذي صرنا نجلبه من أسواق بعض دول الخليج مثل الكويت وقطر والامارات وبواسطة شاحنات النقل السعودية وبقيادة الشباب السعودي فقط لم يكن الطريق معبّداً دائماً، ولا الرحلة سهلة، لكن الإصرار كان أكبر من التحديات، حينها ومن رحم هذه التجربة، ولدت ثقافة خاصة جديرة بالذكر تجلت في الحكم والأبيات الشعرية التي كتبت على الشاحنات، معبرة عن فلسفة حياة قوامها الصبر والكفاح والاعتماد على النفس حينما نسج "السواويق" قصائد شعبية تمجد مركباتهم حتى صار السائق يخاطب شاحنته المرسيدس او الفلفو وكأنها فرس عربي أصيل يمتدح صبرها على العقبات وسرعتها في قطع الفيافي، وعلى جوانب تلك الشاحنات ولد فن تشكيلي فطري عند ما كتبت لوحات منقوشة بعبارات مشحونة بالعاطفة والتوكل، وكأنهم بذلك يواجهون وحشة الطريق وطول المسافة معبرين عن حياة قوامها الصبر والاعتماد على الخالق. تلك الطفرة لم تكن بناءً للحجر فقط بل كانت بناءً للإنسان والمجتمع. حيث ساهمت في رفع المستوى المعيشي وظهور طبقة وسطى نشأت من رحم العمل والإنتاج، لا من الاتكاء على الريع وحده. تغير مفهوم العمل، وأصبح أكثر ارتباطاً بالمبادرة والمخاطرة، كما تغيرت علاقة الإنسان بالمكان فالصحراء لم تعد فضاءً للعبور فقط، بل أصبحت ساحة إنتاج وفرص، مما تركه جيل الطفرة لا يختزل في الطرق والمباني، بل يتجاوز ذلك إلى إرث من القيم والتجارب والتحدي، وهي قصص رجال بدأوا من الصفر، واعتمدوا على أنفسهم، ونجحوا في صناعة واقع جديد. هذا الإرث المعنوي لا يزال حاضراً، يقدم دروساً متجددة في معنى العمل، ويؤكد أن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان، وأن ما تركه جيل الطفرة لا يختزل في الكباري والمطارات والطرق والانفاق والملاعب الرياضية، بل يتجاوز ذلك الى ارث معنوي من القيم هي قصص رجال بدئوا من الصفر حرفيا واجهوا قسوة الطبيعة وغياب التكنلوجيا المتطورة ونجحوا بذكائهم الفطري وعزيمتهم في تحويل الحلم الى واقع.. هذا الواقع هو ما يمنحنا اليوم الثقة ونحن نرى ابناؤهم واحفادهم يقودون رؤية المملكة 2030 بأدوات العصر الجديد. اليوم ونحن ننظر الى تلك الحقبة بكثير من الحنين والفخر ندرك ان الدرس الأهم هو ن الاوطان لا تبنى بصدف الثروة بل بتكاتف ابنائها فجيل الطفرة اثبت ان الانسان السعودي هو المحرك الحقيقي للتغيير فمن ترك معوله ومن رمى عصى الرعي ليقود شاحنات البناء هو من كان يضع لبنة في جدار الوطن الذي ننعم بظله اليوم وسيبقى ذلك الجيل ملهما يؤكد لنا دائما ان الإرادة الوطنية هي المعجزة التي لا تنضب وان الانسان السعودي يظهر دوماً على حقيقته المرتبطة بتاريخ نضالي في ميدان العمل، عند ما يحتاجه الوطن في كل حين.
إقرأ المزيد


