جريدة الرياض - 5/15/2026 12:22:32 AM - GMT (+2 )
اعتبر متخصص في التنمية المستدامة موافقة مجلس الوزراء في جلسته الأخيرة في مدينة جدة، على اللائحة التنفيذية لنظام جمع التبرعات تحولاً نوعياً في مفهوم التبرع في مناطق ومحافظات المملكة، إذ لم يعد الهدف جمع أكبر قدر من الأموال كما كان سابقاً، بل بناء نموذج مستدام للأثر، مما يعني أن المرحلة المقبلة ستشهد انتقالًا من "ثقافة التبرع الموسمي" إلى "ثقافة الاستثمار الاجتماعي طويل الأمد"، حيث تصبح التبرعات مرتبطة بقياس النتائج، وتحليل الاحتياج، وكفاءة الوصول، وجودة الأثر، وليس بحجم الحملات الإعلامية وحدها.
وقال الدكتور سطام بن عبدالله آل سعد مستشار التنمية المستدامة، ورئيس مكتب متخصص في البحوث والدراسات لـ"الرياض" اللائحة الجديدة لها دور في رفع مستوى الحوكمة في جمع التبرعات، كما أنها تسهم في إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والثقة العامة؛ فالثقة مورد وطني غير مرئي، وإذا اهتزت تراجع التبرع، وضعفت المشاركة المجتمعية، وتردد الأفراد في دعم المبادرات الإنسانية مهما بلغت أهميتها.
ومن خلال قراءته لمضامين القرار الجديد يرى آل سعد أن قيمة اللائحة؛ تأتي في أطر تنظم "الطمأنينة المجتمعية" تجاه العمل الخيري، إذ إن وجود قواعد واضحة لجمع التبرعات يعني أن المتبرع لم يعد يتحرك وسط مساحة رمادية، ولا أمام حملات مجهولة أو مسارات مالية غير واضحة، وإنما داخل بيئة مؤسسية تعرف فيها الجهة المسؤولة، والغرض، وآلية الصرف، وحدود المسؤولية، ووسائل الرقابة، وهي نقلة فكرية مهمة جدًا؛ لأنها تنقل القطاع غير الربحي من مرحلة "العمل الإحساني المفتوح" إلى مرحلة "الإدارة الاحترافية للأثر المجتمعي".
حماية سمعة القطاع
وأضاف: "والأهم أن الحوكمة هنا أصبحت وسيلة لحماية سمعة القطاع نفسه، فالضرر الذي قد تسببه حملة تبرعات غير منضبطة، هو تشويه صورة العمل الخيري كاملًا، وإضعاف ثقة الناس في الجهات الصادقة والمهنية، لذلك فالحوكمة في هذا السياق تصبح خط دفاع عن السمعة الوطنية للعمل غير الربحي، وعن صورة المجتمع نفسه بوصفه مجتمعًا منظمًا ومسؤولًا"، وعن الآثار المتوقعة للوثبة التنظيمية الجديدة للقطاع قال: "أحد أخطر الأمور التي قد تواجه أي قطاع خيري هو "تآكل الثقة الصامت"، وهو تآكل يبدأ حين يسمع المجتمع عن حملة مجهولة، أو عن أموال لم تصل، أو عن استغلال عاطفي للمحتاجين، أو عن ضعف في الإفصاح، وهنا يبدأ الناس بالتردد، ثم بالشك، ثم بالابتعاد التدريجي عن التبرع، وهذه الخسارة أخطر من أي خسارة مالية؛ لأنها تصيب العلاقة بين المجتمع والعمل الإنساني في جوهرها.
ويرى آل سعد أن اللائحة الجديدة تتعامل مع هذه المسألة من جذورها، فهي ترفع تكلفة العشوائية، وتغلق المساحات التي قد تتسلل منها الممارسات غير المهنية، وتعيد تعريف المال المتبرع به على أنه "مال ذو حساسية عالية"، فهذه الأموال تمثل ثقة اجتماعية يجب أن تُدار بأعلى درجات الانضباط.
ومن زاوية أخرى يؤكد آل سعد أن اللائحة تسهم في حماية الجمعيات نفسها من "الاستنزاف الإداري والقانوني"، فكثير من المنظمات كانت تعمل سابقًا وسط اجتهادات متباينة في فهم الإجراءات، أو في إدارة الحملات، أو في تفسير حدود الإعلان والتسويق للتبرعات، أما وجود إطار تنظيمي واضح، فيقلل التضارب، ويرفع مستوى الاحتراف، ويمنح القطاع لغة عمل موحدة، وهو ما يعزز الاستقرار المؤسسي على المدى الطويل، وقال: "كما أن اللائحة قد تخلق تحولًا مهمًا في نوعية المتبرعين أنفسهم، فكلما ارتفع مستوى الحوكمة، زادت احتمالية دخول متبرعين كبار، وشركات، وأوقاف، ومؤسسات مانحة تبحث عن بيئة عالية الموثوقية، فالممول المؤسسي يبحث عن الشفافية، والحوكمة، وإمكانية التتبع، ووضوح الأثر، وهذا يعني أن اللائحة ترفع أيضًا "حجم الاقتصاد غير الربحي" مستقبلاً.
الانعكاسات المتوقعة
وعن الانعكاسات المتوقعة على القطاع والشرائح المستهدفة، قال آل سعد لـ"الرياض": "الانعكاس الحقيقي لهذه اللائحة سيظهر في شكل القطاع غير الربحي خلال السنوات القادمة، فحين يصبح جمع التبرعات أكثر تنظيمًا، سيضطر القطاع تلقائيًا إلى تطوير نفسه في مجالات عديدة؛ مثل التحول الرقمي، وإدارة البيانات، وتحليل الاحتياج، وقياس الأثر، والتخطيط المالي، والامتثال، وإدارة السمعة المؤسسية"، وأضاف: "وهنا تظهر نقطة مهمة جدًا قد لا ينتبه لها كثيرون، وهي أن اللائحة تعيد تشكيل "العقل الإداري" للقطاع غير الربحي، فهي تدفع الجمعيات إلى التفكير بعقلية أكثر احترافية، وأكثر قدرة على بناء الاستدامة، بدل الاعتماد على الارتجال أو ردود الفعل الموسمية.
وعن الآثار المتوقعة للائحة الجديدة على الفئات المستهدفة قال آل سعد: "من المتوقع أن تقل الفجوات في الوصول، وأن ترتفع عدالة توزيع الدعم، وأن تتحسن جودة الخدمات المرتبطة بالتبرعات، ففي بعض الحالات السابقة كانت المشكلة في ضعف التنظيم، أو تكرار الدعم لفئات معينة، أو غياب البيانات الدقيقة، أو عدم وجود تتبع حقيقي للأثر، ومع ارتفاع مستوى الحوكمة، تصبح الموارد أقرب إلى الاحتياج الفعلي، وأقل عرضة للهدر أو التشتيت، وأضاف: "كما أن هذه اللائحة قد تنتج أثرًا اجتماعيًا أعمق يتمثل في إعادة بناء صورة القطاع غير الربحي لدى الجيل الجديد، فالشباب اليوم أكثر حساسية تجاه الشفافية، وأكثر اهتمامًا بمعرفة أين تذهب الأموال وكيف تُدار، وحين يرون قطاعًا منظمًا، واضحًا، خاضعًا للحوكمة، وقادرًا على الإفصاح وقياس الأثر، فإنهم يصبحون أكثر استعدادًا للمشاركة، والتطوع، والتبرع، وحتى تأسيس مبادرات جديدة.
وختم آل سعد حديثه لـ"الرياض" مبيناً أنه في المدى البعيد، قد تتحول الحوكمة في جمع التبرعات إلى عنصر من عناصر القوة الناعمة الوطنية؛ لأن الدول التي تنجح في بناء قطاع غير ربحي منظم وموثوق، تنجح في صناعة مجتمع أكثر تماسكًا، وأكثر قدرة على الاستجابة للأزمات، وأكثر وعيًا بمفهوم المسؤولية المشتركة.
من جانبها اعتبرت متخصصة في التخطيط الاستراتيجي والتنمية الاقتصادية والحوكمة موافقة مجلس الوزراء على اللائحة التنفيذية لنظام جمع التبرعات، أنه بمثابة انتقال المملكة من مفهوم "تنظيم التبرعات" إلى مفهوم "حوكمة التدفقات المالية المجتمعية"، كفارق جوهري، حين تُلزم الجهات غير الربحية بحسابات مخصصة، وإفصاح مالي أكثر دقة، وربط الصرف بالأغراض المرخصة، وتعزيز الرقابة والامتثال، مما يجعل المشهد أمام إعادة هيكلة للقطاع وفق معايير الحوكمة المؤسسية الحديثة، المشابهة لما يحدث في القطاعات المالية والاستثمارية.
المنظومة التنظيمية
وفي هذا الشأن قالت الدكتورة نوف بنت عبدالعزيز الغامدي لـ"الرياض" في الاقتصادات الحديثة، لا تُقاس كفاءة العمل الخيري بحجم التبرعات فقط، بل بقدرة المنظومة التنظيمية على حماية تلك الأموال وتحويلها إلى أثر تنموي مستدام، ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة اللائحة الجديدة لجمع التبرعات في المملكة باعتبارها تحولًا اقتصاديًا ومؤسسيًا يتجاوز البعد الإداري التقليدي، نحو بناء "اقتصاد ثقة" داخل القطاع غير الربحي، وأضافت: "فالقطاع غير الربحي لم يعد نشاطًا هامشيًا في الاقتصاد السعودي، بل أصبح أحد المسارات المرتبطة مباشرة بمستهدفات رؤية 2030، التي تستهدف رفع مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز دوره التنموي والاجتماعي، وحسب البيانات الصادرة من المركز الوطني لتنمية القطاع غير الربحي، شهد القطاع نموًا متسارعًا في أعداد الجمعيات والمؤسسات الأهلية وحجم المبادرات المجتمعية خلال السنوات الأخيرة، مما جعل الحاجة إلى إطار حوكمة أكثر صرامة أمرًا ضروريًا، ليس فقط لحماية المتبرعين، بل لحماية سمعة القطاع نفسه واستدامته.
رفع كفاءة الإنفاق
ومن زاوية اقتصادية ترى الدكتورة الغامدي أن هذا التحول يرفع من كفاءة تخصيص الموارد داخل القطاع غير الربحي، وقالت: "كل ريال يتم تتبعه والرقابة عليه يقلل من احتمالات الهدر أو سوء الاستخدام أو الازدواجية، ويرفع من كفاءة الإنفاق الاجتماعي، كما أن ارتفاع مستوى الشفافية يعزز ثقة المتبرعين سواء الأفراد أو الشركات أو الأوقاف، وهو ما ينعكس عادة على زيادة حجم التدفقات المالية واستدامتها على المدى الطويل".
ومن منظور استثماري تؤكد الدكتورة الغامدي أن الحوكمة أصبحت اليوم عنصرًا رئيسيًا في تقييم أي قطاع، حتى القطاعات غير الربحية. فالمتبرع المؤسسي أو الشركات الكبرى لم تعد تنظر فقط إلى "البعد الإنساني" للمبادرات، بل إلى جودة الإدارة، والشفافية، وقياس الأثر، وإدارة المخاطر. وبالتالي، فإن اللائحة الجديدة قد تسهم في رفع جاذبية القطاع أمام الشراكات المؤسسية وبرامج المسؤولية الاجتماعية والاستثمارات الاجتماعية ذات الأثر".
الدكتورة الغامدي ترى اللائحة الجديدة أنها تعزيز لما وصفته بمفهوم "الأمان التشريعي للتبرع"، خصوصًا في ظل التحولات الرقمية واتساع حملات التبرعات الإلكترونية. فكلما زادت سهولة التبرع، زادت الحاجة إلى أنظمة أكثر صرامة في التحقق والرقابة والإفصاح. ولذلك، فإن التشديد على الامتثال والعقوبات والحوكمة الداخلية لا يمثل تضييقًا على القطاع، بل حماية له من الممارسات الفردية التي قد تؤثر على الثقة العامة.
بيئة أكثر احترافية
wوتوقعت الدكتورة نوف الغامدي أن تنعكس هذه التنظيمات على عدة شرائح بصورة مباشرة، بينهم المتبرعون الذين سيحصلون على وضوح أكبر لمسارات أموالهم، والجمعيات الملتزمة ستستفيد من ارتفاع موثوقيتها، بينما سيستفيد المستفيد النهائي من وصول الموارد بكفاءة أعلى وعدالة أكبر، وفي المقابل، ستواجه الجهات غير الملتزمة تحديات أكبر في الاستمرار ضمن بيئة أصبحت أكثر احترافية وتنظيمًا.
وختمت الدكتورة الغامدي حديثها لـ"الرياض" في تقديري أن الأثر الأهم لهذه اللائحة لا يكمن فقط في ضبط التبرعات، بل في إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والعمل التنموي. فالمملكة تتجه تدريجيًا نحو نموذج يرى في القطاع غير الربحي شريكًا اقتصاديًا وتنمويًا، لا مجرد جهة خيرية تقليدية، وهذا التحول يتطلب بيئة قائمة على الحوكمة، والشفافية، وقياس الأثر، وهي العناصر التي تسعى اللائحة الجديدة إلى ترسيخها بصورة أكثر وضوحًا ونضجًا.
إقرأ المزيد


