عقد من التحول: تمكين الفصل القادم للمملكة العربية السعودية
جريدة الرياض -

لم تُحدث رؤية 2030 تحولًا في اقتصاد المملكة فحسب، بل أعادت تعريف كيفية إنتاج الطاقة وإدارتها واستهلاكها على مستوى وطني.

على مدى العقد الماضي، تحركت المملكة بسرعة ودقة لإعادة تشكيل أسسها الاقتصادية. فقد أسهم النمو الصناعي، والإصلاحات التنظيمية، ومشاريع البنية التحتية الكبرى في ترسيخ مكانة السعودية كقوة عالمية في تحول الطاقة والابتكار الرقمي. أما المرحلة القادمة، فلن تُقاس بالطموح، بل بقدرة التنفيذ على نطاق واسع.

في شنايدر إلكتريك، دورنا واضح. نحن شريك في تكنولوجيا الطاقة. نقوم بالكهرباء والأتمتة والرقمنة للقطاعات والبنية التحتية والمباني، بهدف تحقيق الكفاءة والاستدامة. هكذا نُحقق الأثر على أرض الواقع.

ويتجلى هذا الدور بوضوح في مساهمتنا على امتداد منظومة الكهرباء الوطنية الكاملة: من قطاع الإنتاج والتوليد، مرورًا بشبكات النقل، وصولًا إلى منظومة التوزيع. هذا الحضور الشامل عبر السلسلة الكهربائية بأكملها هو ما يُميّز شراكتنا مع المملكة عن غيرها. ونفخر بمساهمتنا في مشاريع وطنية كبرى، من بينها مشروع توسعة الحرمين الشريفين، إلى جانب مشاريع البنية التحتية الحيوية في قطاع الرعاية الصحية الذي يشهد تحولًا متسارعًا في إطار رؤية 2030.

ومن أبرز ملامح هذا التحول تنامي التصنيع المحلي كقدرة استراتيجية.

تُدير شنايدر إلكتريك ثلاث مصانع في المملكة، تمتد على مساحة تزيد عن 35,000 متر مربع. وفي مدينة سبارك الصناعية بالرياض، افتتحنا منشأة إنتاج جديدة تمثل قفزة نوعية في قدراتنا التصنيعية المحلية. صُمِّم هذا المصنع وفق أعلى معايير الاستدامة، محققًا خفضًا بنسبة 34% في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون مقارنة بالتصاميم التقليدية. كما نقوم في المملكة بتصنيع و إنتاج تقنيات رئيسية مثل Galaxy UPS وPrisma وActi9 وMcSet، والتي تُشغّل قطاعات حيوية وبنى تحتية متقدمة.

ونعمل على التوسع لنصل إلى 32 خط إنتاج بحلول عام 2030. الهدف لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل بناء منظومة صناعية متكاملة تشمل الموردين المحليين وسلاسل الإمداد المرنة وكفاءات هندسية متقدمة. هكذا تصبح عبارة “صنع في السعودية” ميزة تنافسية حقيقية.

وفي صميم هذا التحول يأتي رأس المال البشري.

في مصنعنا بالرياض، يشكّل السعوديون نحو 50% من إجمالي القوى العاملة. هذه ليست نسبة توطين، بل دليل على الجاهزية والكفاءة. مهندسون سعوديون يديرون ويطورون ويعالجون أنظمة تصنيع معقدة وفق أعلى المعايير العالمية.

ولا يقل أهمية عن ذلك مسار استقطاب الكفاءات. ففي عام 2024، شكّلت النساء نحو 70% من إجمالي التعيينات في برامج شنايدرلخريجين التقنية. هذا التحول يعكس تقدمًا حقيقيًا نحو سوق عمل أكثر شمولًا، ويتماشى مع مستهدفات رؤية 2030 في تمكين المرأة وزيادة مشاركتها الاقتصادية. تنوع المواهب هو أساس الابتكار.

ويمتد أثرنا إلى ما هو أبعد من كوادرنا المباشرة. فمن خلال شبكة EcoXpert وبرامج تدريب الموزعين، نُسهم في تطوير القدرات التقنية لدى مئات الشركات الشريكة في المملكة. الناتج الحقيقي لا يقتصر على المنتجات، بل يتمثل في بناء قدرات تتراكم وتنعكس على الاقتصاد ككل.

ولتعزيز هذا التوجه، أطلقنا أكاديمية شنايدر إلكتريك للتكنولوجيا لمنطقة الشرق الأوسط وأفريقيا في الرياض، كمركز إقليمي لتطوير المهارات في مجالات الرقمنة وإدارة الطاقة والأتمتة الصناعية. المرحلة القادمة من التحول تعتمد على سرعة تطوير هذه الكفاءات.

هذا هو تسريع تكنولوجيا الطاقة على أرض الواقع. ليس كمفهوم، بل كقدرات صناعية وبشرية تُبنى داخل المملكة.

وبالتوازي، تعمل السعودية على بناء العمود الفقري الرقمي للمنطقة.

على مدى السنوات الأربع الماضية، كنا شريكًا أساسيًا في بناء البنية التحتية لمراكز البيانات في المملكة، ونقلنا هذه الخبرة المتراكمة لخدمة مرحلة التوسع الكبير القادمة. من المتوقع أن يتضاعف الطلب العالمي على مراكز البيانات أربع مرات بين عامي 2023 و2030. وتتموضع المملكة في قلب هذا النمو. لكن التوسع الرقمي دون كفاءة في استهلاك الطاقة لن يكون مستدامًا.

كل مركز بيانات يعتمد على طاقة موثوقة وإدارة ذكية لها. والتحول الرقمي للبنية التحتية لا يعني فقط تركيب أجهزة أحدث، بل يعني إعادة تصور كيف تُدار المنشآت وكيف تستهلك الطاقة وكيف تستجيب للأعطال. الكفاءة لم تعد خيار تحسين، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في تصميم البنية التحتية. أي منشأة تهدر الطاقة تمثل عبئًا تشغيليًا وبيئيًا وتنظيميًا سيزداد مع الوقت.

ويظهر هذا التكامل بين العالمين الرقمي والمادي في مشاريع نوعية.

تمثل الدرعية نموذجًا واضحًا. موقع يمتد تاريخه لأكثر من 300 عام، يُدار اليوم عبر منصة تشغيل رقمية متكاملة تعتمد على تقنيات AVEVA من شنايدر إلكتريك. هذا النموذج يؤكد أن التحديث لا يأتي على حساب الهوية، بل يعززها.

وعبر جميع هذه المحاور، يبقى مبدأ واحد ثابتًا: الكفاءة والاستدامة يجب أن تتقدما معًا.

من مصانع منخفضة الانبعاثات إلى أنظمة طاقة ذكية، الاستدامة ليست شعارًا، بل جزء من كيفية التصميم والتنفيذ والتشغيل.

المرحلة القادمة من رؤية 2030 ستُقاس بمدى تكامل الكهرباء والذكاء الرقمي ورأس المال البشري على نطاق واسع.

لقد أعادت المملكة تشكيل أسسها. وما يأتي الآن هو التنفيذ بسرعة ودقة وعمق.

هكذا يُبنى الفصل القادم.

هذا هو تسريع تكنولوجيا الطاقة.



إقرأ المزيد