إعادة تشكيل معادلة الماء والطاقة والمناخ في السعودية
جريدة الرياض -

لم تعد رهانات المستقبل تُحسم في ميادين النفوذ الجيوسياسي أو التفوق الاقتصادي وحدهما، بل انتقلت تدريجيًا إلى ساحة أكثر عمقًا وتعقيدًا، حيث تصبح المياه والطاقة والمناخ عناصر حاكمة في معادلات الأمن والاستقرار والسيادة طويلة المدى.

وفي منطقة تُعد من بين الأكثر حرارة وجفافًا على مستوى العالم، تواجه المملكة العربية السعودية تحديًا متصاعدًا يتمثل في ضمان استدامة الموارد الحيوية، بالتوازي مع نمو سكاني متسارع، وتوسع عمراني وصناعي واسع النطاق.

ولا يقتصر هذا التحدي على ندرة الموارد، بل يمتد إلى ارتفاع كلفة إدارتها، خصوصًا مع الاعتماد الكبير على تحلية المياه وتوليد الطاقة الكهربائية في بيئة مناخية قاسية تتسم بارتفاع درجات الحرارة لفترات طويلة، ما يضاعف الطلب على التبريد ويضع ضغطًا مستمرًا على البنى التحتية الحيوية.

كما تواجه محطات التحلية الممتدة على ضفاف الخليج العربي تحديات وتهديدات متزايدة، تشمل ارتفاع ملوحة المياه ودرجات حرارتها، والتلوث البحري، والتقلبات البيئية الحادة، إضافة إلى حساسيتها العالية تجاه أي اضطرابات جيوسياسية أو مخاطر تستهدف سلاسل الإمداد والطاقة والممرات البحرية، ما يجعل أمن المياه مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار البيئة الإقليمية وأمن البنية التحتية الاستراتيجية.

في هذا السياق، تبرز “القبة المناخية” كمنظومة ضمن تقنيات الهندسة المناخية الحديثة، تقوم على تحفيز الرطوبة الجوية عبر استخدام موجات وترددات عالية الطاقة، بهدف التأثير في آليات تشكل السحب وأنماط الهطول، وإعادة تشكيل بعض الخصائص المناخية في نطاقات جغرافية محددة وفق منهجية مدروسة.

وتكمن أهمية هذه التقنية في كونها لا تقدم معالجة جزئية أو محدودة التأثير، بل تطرح تصورًا لمنظومة متكاملة قادرة على إحداث تحولات مناخية محسوبة، يمكن أن تنعكس آثارها على عدة مستويات مترابطة، من أبرزها:

• رفع معدلات الهطول المطري بما قد يصل إلى أكثر من 800٪ من المعدل السنوي في المناطق المستهدفة.

• تعزيز تشكل وتعاقب المنخفضات الجوية بما يسهم في انتظام الهطول عبر كل الفصول.

• تقليص هيمنة المرتفعات الجوية الحارة المرتبطة بموجات الحر الطويلة.

• المساهمة في تثبيت نطاق أكثر اعتدالًا لدرجات الحرارة خلال فصل الصيف.

• تقليل الاعتماد على تحلية المياه عبر دعم الموارد المائية الطبيعية.

• تحسين جودة الهواء وتعزيز الغطاء النباتي والحد من العواصف الترابية و تحقيق مستهدفات السعودية الخضراء.

• خفض الأحمال الكهربائية الناتجة عن التبريد عبر تقليل الطلب في فترات الذروة.

• خلق بيئات مناخية جديدة تسمح بأنشطة مبتكرة مثل الرياضات المائية والثلجية في مواقع مختارة.

• إطالة المواسم السياحية والترفيهية، وتحسين الأجواء خلال الفعاليات الكبرى بما في ذلك البطولات الدولية مثل كأس العالم 2034 والمعارض العالمية.

• تحسين ظروف المواسم الدينية للحجاج والمعتمرين بما يعزز مستويات الراحة والسلامة.

• رفع الجاهزية المناخية وتقليل حدة الظواهر الجوية المتطرفة والعنيفة.

وعلى الصعيد الاقتصادي، تشير التقديرات إلى أن الأثر التراكمي لهذه المنظومة قد يتجاوز 110 مليارات ريال سعودي سنويًا، وهو ما يعني أن إجمالي العائد خلال عقد واحد (10 سنوات) قد يصل إلى نحو 1.1 تريليون ريال سعودي، نتيجة خفض استهلاك الطاقة المرتبط بالتبريد، وتقليل الضغط على منظومات تحلية المياه، ورفع كفاءة إدارة الموارد في قطاعات المياه والكهرباء والبيئة الحضرية.

في المحصلة، لا تُقدَّم “القبة المناخية” كمجرد إضافة تقنية إلى أدوات إدارة البيئة، بل كتصور استراتيجي يعيد صياغة معادلة الماء والطاقة والمناخ في المملكة العربية السعودية من جذورها. فهي تمثل انتقالًا من مرحلة التكيف مع المناخ إلى مرحلة إعادة تنظيم بعض ديناميكياته ضمن حدود العلم وإمكانات الهندسة المناخية الحديثة، بما ينعكس مباشرة على أمن المياه، وكفاءة الطاقة، واستقرار البيئة الحضرية.

ومع ما تحمله هذه الرؤية من أثر اقتصادي محتمل يتجاوز مئات المليارات على مدى عقد من الزمن، فإن قيمتها الحقيقية لا تقتصر على الأرقام، بل تمتد إلى قدرتها على إعادة تشكيل بنية القرار التنموي نفسه، وتحويل التحديات المناخية إلى عنصر فاعل في إنتاج النمو بدل أن تكون عبئًا عليه.

هكذا، تصبح “القبة المناخية” عنوانًا لمرحلة جديدة يُعاد فيها تعريف العلاقة بين الإنسان والمناخ، وتُبنى فيها منظومة أكثر توازنًا بين الموارد والاحتياج، وبين الطبيعة والتقنية، في اتجاه يعزز الاستدامة ويرفع جاهزية المملكة لمستقبل مناخي واقتصادي أكثر تعقيدًا وتسارعًا.

*باحث في علوم الطقس



إقرأ المزيد