لائحة جمع التبرعات تعزز حوكمة القطاع غير الربحي
جريدة الرياض -

عدّ مختصان في التنمية المستدامة والتخطيط الاستراتيجي والحوكمة موافقة مجلس الوزراء على اللائحة التنفيذية لنظام جمع التبرعات تحولًا نوعيًا في مسار القطاع غير الربحي في المملكة، مؤكدين أن اللائحة لا تقتصر على تنظيم آليات جمع التبرعات، بل تؤسس لمرحلة أكثر نضجًا تقوم على الحوكمة، والشفافية، وقياس الأثر، وتعزيز ثقة المجتمع والمتبرعين في العمل الخيري والتنموي.

وأكد الدكتور سطام بن عبدالله آل سعد، مستشار التنمية المستدامة، أن اللائحة الجديدة تمثل انتقالًا من مرحلة “العمل الإحساني المفتوح” إلى مرحلة “الإدارة الاحترافية للأثر المجتمعي”، مشيرًا إلى أن الهدف لم يعد جمع أكبر قدر من الأموال، بقدر ما أصبح بناء نموذج مستدام للأثر، ترتبط فيه التبرعات بتحليل الاحتياج، وكفاءة الوصول، وجودة النتائج، لا بحجم الحملات الإعلامية وحدها. 

وقال آل سعد إن اللائحة تسهم في رفع مستوى الحوكمة في جمع التبرعات، وإعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والثقة العامة، موضحًا أن الثقة “مورد وطني غير مرئي”، وإذا تراجعت ضعفت المشاركة المجتمعية، وتردد الأفراد في دعم المبادرات الإنسانية مهما بلغت أهميتها.

وأضاف أن وجود قواعد واضحة لجمع التبرعات يعني أن المتبرع لم يعد يتحرك في مساحة رمادية أو أمام حملات مجهولة أو مسارات مالية غير واضحة، بل داخل بيئة مؤسسية تُعرف فيها الجهة المسؤولة، والغرض من التبرع، وآلية الصرف، وحدود المسؤولية، ووسائل الرقابة.

من جهتها، اعتبرت الدكتورة نوف بنت عبدالعزيز الغامدي، المتخصصة في التخطيط الاستراتيجي والتنمية الاقتصادية والحوكمة، أن اللائحة تنقل المملكة من مفهوم “تنظيم التبرعات” إلى مفهوم “حوكمة التدفقات المالية المجتمعية”، من خلال إلزام الجهات غير الربحية بحسابات مخصصة، وإفصاح مالي أكثر دقة، وربط الصرف بالأغراض المرخصة، وتعزيز الرقابة والامتثال. 

وقالت الغامدي إن الاقتصادات الحديثة لا تقيس كفاءة العمل الخيري بحجم التبرعات فقط، بل بقدرة المنظومة التنظيمية على حماية تلك الأموال وتحويلها إلى أثر تنموي مستدام، معتبرة أن اللائحة الجديدة تمثل تحولًا اقتصاديًا ومؤسسيًا يتجاوز البعد الإداري التقليدي نحو بناء “اقتصاد ثقة” داخل القطاع غير الربحي.

وأوضحت أن القطاع غير الربحي لم يعد نشاطًا هامشيًا في الاقتصاد السعودي، بل أصبح أحد المسارات المرتبطة بمستهدفات رؤية المملكة 2030، خصوصًا في ما يتعلق برفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز دوره التنموي والاجتماعي، الأمر الذي يجعل وجود إطار حوكمة أكثر صرامة ضرورة لحماية المتبرعين وسمعة القطاع واستدامته.

وشدد المختصان على أن اللائحة الجديدة تعزز ثقة المتبرعين، وتحمي الجمعيات من الممارسات غير المهنية، وتغلق المساحات التي قد تتسلل منها العشوائية أو ضعف الإفصاح أو استغلال العاطفة في حملات غير منضبطة.

وقال آل سعد إن من أخطر ما قد يواجه أي قطاع خيري هو “تآكل الثقة الصامت”، الذي يبدأ حين يسمع المجتمع عن حملة مجهولة أو أموال لم تصل أو ضعف في الإفصاح، ثم يتحول تدريجيًا إلى تردد وشك وابتعاد عن التبرع، وهي خسارة وصفها بأنها أخطر من الخسارة المالية لأنها تمس العلاقة بين المجتمع والعمل الإنساني في جوهرها.

وأضاف أن اللائحة ترفع تكلفة العشوائية، وتعيد تعريف المال المتبرع به باعتباره “مالًا ذا حساسية عالية”، لأنه يمثل ثقة اجتماعية ينبغي أن تُدار بأعلى درجات الانضباط.

وفي السياق ذاته، أكدت الغامدي أن كل ريال يتم تتبعه والرقابة عليه يقلل احتمالات الهدر أو سوء الاستخدام أو الازدواجية، ويرفع من كفاءة الإنفاق الاجتماعي، كما أن ارتفاع مستوى الشفافية يعزز ثقة المتبرعين من الأفراد والشركات والأوقاف، وهو ما قد ينعكس على زيادة حجم التدفقات المالية واستدامتها على المدى الطويل.

وأشارت إلى أن الحوكمة أصبحت عنصرًا رئيسيًا في تقييم القطاعات، بما فيها القطاعات غير الربحية، مبينة أن المتبرع المؤسسي والشركات الكبرى لم تعد تنظر إلى البعد الإنساني وحده، بل إلى جودة الإدارة، والشفافية، وقياس الأثر، وإدارة المخاطر، وهو ما يجعل اللائحة الجديدة رافعة لجاذبية القطاع أمام الشراكات المؤسسية وبرامج المسؤولية الاجتماعية والاستثمارات الاجتماعية ذات الأثر.

وأكدت الغامدي أن التشديد على الامتثال والعقوبات والحوكمة الداخلية لا يمثل تضييقًا على القطاع، بل حماية له، خصوصًا في ظل التحولات الرقمية واتساع حملات التبرعات الإلكترونية، حيث إن سهولة التبرع تستدعي أنظمة أكثر صرامة للتحقق والرقابة والإفصاح.

وعن انعكاسات اللائحة على الجمعيات والشرائح المستهدفة، قال آل سعد إن القطاع غير الربحي سيكون أمام مرحلة تتطلب تطويرًا واسعًا في مجالات التحول الرقمي، وإدارة البيانات، وتحليل الاحتياج، وقياس الأثر، والتخطيط المالي، والامتثال، وإدارة السمعة المؤسسية، مؤكدًا أن اللائحة تعيد تشكيل “العقل الإداري” للقطاع غير الربحي، وتدفع الجمعيات إلى العمل بعقلية أكثر احترافية وقدرة على بناء الاستدامة بدل الاعتماد على الارتجال أو الحملات الموسمية.

وأضاف أن الفئات المستفيدة ستلمس أثر اللائحة من خلال تقليل الفجوات في الوصول، ورفع عدالة توزيع الدعم، وتحسين جودة الخدمات المرتبطة بالتبرعات، خصوصًا أن ضعف التنظيم أو غياب البيانات الدقيقة كانا يؤديان في بعض الحالات إلى تكرار الدعم لفئات محددة أو عدم وصول الموارد إلى الاحتياج الفعلي.

من جانبها، توقعت الغامدي أن يحصل المتبرعون على وضوح أكبر لمسارات أموالهم، وأن تستفيد الجمعيات الملتزمة من ارتفاع موثوقيتها، فيما سيستفيد المستفيد النهائي من وصول الموارد بكفاءة أعلى وعدالة أكبر، مقابل مواجهة الجهات غير الملتزمة تحديات أكبر في بيئة أصبحت أكثر احترافية وتنظيمًا.

وختم آل سعد بالتأكيد على أن الحوكمة في جمع التبرعات قد تتحول على المدى البعيد إلى عنصر من عناصر القوة الناعمة الوطنية، لأن الدول التي تنجح في بناء قطاع غير ربحي منظم وموثوق تنجح في صناعة مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على الاستجابة للأزمات ووعيًا بمفهوم المسؤولية المشتركة.

فيما رأت الغامدي أن الأثر الأهم للائحة لا يكمن فقط في ضبط التبرعات، بل في إعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والعمل التنموي، مؤكدة أن المملكة تتجه تدريجيًا نحو نموذج يرى في القطاع غير الربحي شريكًا اقتصاديًا وتنمويًا، لا مجرد جهة خيرية تقليدية، وأن هذا التحول يتطلب بيئة قائمة على الحوكمة والشفافية وقياس الأثر.



إقرأ المزيد