السعودية تتصدر الجاهزية الرقمية عالميًا.. نضج تقني يرسخ قوة الاقتصاد ويعزز رهانات المستقبل
جريدة الرياض -

في مشهد اقتصادي عالمي باتت فيه التقنية معيارًا من معايير النفوذ، ومقياسًا متقدمًا لقدرة الدول على صناعة المستقبل، تواصل المملكة العربية السعودية ترسيخ حضورها بوصفها نموذجًا متقدمًا في بناء الاقتصاد الرقمي، بعد أن تصدرت المركز الأول عالميًا في مؤشر الجاهزية الرقمية الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات لعام 2025، في إنجاز لا يُقرأ بوصفه تفوقًا رقميًا عابرًا، بل باعتباره انعكاسًا لنضج مؤسسي متراكم، ورؤية تنموية عميقة، وقدرة متصاعدة على تحويل التحول الرقمي إلى قيمة اقتصادية مستدامة.

ولأن المؤشرات الدولية الكبرى لا تمنح مواقعها إلا للدول التي نجحت في بناء بيئات متكاملة وقادرة على الاستمرار، فإن صعود المملكة من المركز الرابع عالميًا في عام 2024 إلى المركز الأول في عام 2025، مع ارتفاع تقييمها من 90 إلى 94 نقطة، يكشف عن تطور نوعي في كفاءة المنظومة الرقمية الوطنية، ويؤكد أن ما تحقق لم يكن ثمرة جهد جزئي أو مسار تقني محدود، بل نتيجة عمل وطني واسع أعاد صياغة العلاقة بين التنظيم والتقنية والاقتصاد ضمن إطار أكثر نضجًا واتساقًا.

ويكتسب هذا الإنجاز أهميته من طبيعة المؤشر ذاته، إذ يُعد مؤشر الجاهزية الرقمية، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، من أبرز المقاييس الدولية التي ترصد مدى جاهزية الدول للتحول الرقمي عبر 117 دولة و9 محاور رئيسة، فيما يمنح تصنيف “مرتفع جدًا” للدول التي تتجاوز حاجز 90 نقطة. ومن هنا، فإن بلوغ المملكة 94 نقطة لا يعبر عن تحسن رقمي فحسب، بل يعلن عن اكتمال ملامح بيئة مؤسسية قادرة على استيعاب التحولات التقنية الكبرى، وإدارة متطلباتها بكفاءة، وتسخيرها في خدمة الاقتصاد والتنمية والاستثمار.

هذا التفوق الدولي يرسخ مكانة المملكة في قلب الاقتصاد الحديث، حيث لم تعد القوة الاقتصادية تقاس فقط بحجم الموارد أو اتساع الأسواق، بل بمدى القدرة على إنتاج بيئة ذكية ومرنة ومحكومة بأطر تنظيمية قادرة على تمكين الابتكار واستيعاب النماذج الجديدة للأعمال. وفي هذا السياق، يبدو تصدر المملكة للمؤشر تتويجًا لمسار متكامل جعل من التحول الرقمي أحد الأعمدة الراسخة في مشروعها التنموي، وأحد الرهانات الكبرى في بناء اقتصاد أكثر تنوعًا وكفاءة واستدامة.

وتتجلى القيمة الاقتصادية لهذا الإنجاز في أثره المباشر على تنافسية السوق السعودية؛ فكل تقدم في مؤشرات الجاهزية الرقمية ينعكس على ثقة المستثمر، وعلى جاذبية البيئة الاقتصادية، وعلى قدرة السوق على احتضان الاستثمارات النوعية، لا سيما في القطاعات ذات الصلة بالتقنية والبيانات والاتصالات والحلول الذكية. إذ تمنح الجاهزية الرقمية العالية الاقتصاد قدرة أكبر على تسريع دورة الأعمال، وتقليص التكاليف، وتحسين تجربة المستفيد، ورفع كفاءة الخدمات، بما يجعل السوق أكثر انفتاحًا على الفرص، وأكثر استعدادًا لاستقبال الاستثمارات التي تبحث عن بيئات مستقرة وواضحة وذات موثوقية مؤسسية عالية.

كما أن هذا التصدر يمنح الاقتصاد الوطني بعدًا استراتيجيًا أعمق، لأنه يؤكد أن المملكة لم تكتفِ بتبني التحول الرقمي بوصفه أداة لتحسين الأداء، بل حولته إلى خيار اقتصادي شامل يعيد تشكيل بنية السوق ذاتها. فالاقتصاد الرقمي في المملكة لم يعد فضاءً موازيًا للاقتصاد التقليدي، بل أصبح جزءًا من بنيته الجديدة، ومحركًا رئيسًا في رفع الإنتاجية، وتسهيل الأعمال، وتحفيز الابتكار، وتوسيع مساهمة القطاعات القائمة على المعرفة والتقنية في الناتج المحلي.

ومن زاوية أوسع، فإن نضج البيئة الرقمية السعودية يعزز من مكانة المملكة بوصفها ساحة جاذبة للشركات العالمية ورواد الأعمال والمشروعات التقنية الكبرى، إذ إن الأسواق التي تتقدم في مؤشرات الجاهزية الرقمية تقدم في الوقت ذاته رسالة اطمئنان للمستثمرين مفادها أن البيئة التشريعية والتنظيمية والبنية التقنية تعمل بتناغم، وأن السوق يمتلك من المرونة والجاهزية ما يتيح النمو والتوسع والتجريب والابتكار ضمن إطار مؤسسي واضح. وهذه الميزة التنافسية تمثل اليوم أحد أهم عناصر القوة في الاقتصاد العالمي الجديد.

ولا ينفصل هذا الإنجاز عن مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي دفعت مبكرًا نحو بناء اقتصاد وطني متنوع يتجاوز الاعتماد على الأنماط التقليدية، ويستثمر في القطاعات المستقبلية ذات القيمة المضافة العالية. وفي هذا المسار، جاءت الجاهزية الرقمية بوصفها قاعدة ضرورية لاقتصاد حديث يستطيع أن يحول البيانات إلى فرص، والتقنية إلى إنتاجية، والخدمات الذكية إلى روافع نمو وتنمية. ومن هنا يبدو تصدر المملكة لهذا المؤشر تجسيدًا عمليًا لمرحلة أكثر نضجًا في مسيرة الرؤية، حيث تتقاطع المنجزات التقنية مع العوائد الاقتصادية في صورة أوضح وأكثر رسوخًا.

ويحمل الإنجاز أيضًا بعدًا مؤسسيًا لافتًا، إذ يعكس نجاح التكامل بين الجهات الوطنية المعنية، وفي مقدمتها وزارة الاتصالات وتقنية المعلومات، وهيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وهيئة الحكومة الرقمية، إلى جانب شركاء النجاح من مختلف الجهات الحكومية. وهذا التناغم المؤسسي لا يختزل في كونه تعاونًا إداريًا، بل يمثل في جوهره نموذجًا متقدمًا للحكم الرشيد في إدارة التحول الرقمي، حيث تتكامل السياسات مع التنفيذ، وتلتقي الأهداف الاستراتيجية مع أدوات القياس والتمكين، بما يفضي إلى نتائج قابلة للتحقق وذات أثر اقتصادي وتنموي ملموس.

وفي العالم الذي تتسابق فيه الدول نحو المستقبل، لا يكفي أن تمتلك الرؤية، بل لا بد أن تمتلك الأدوات التي تجعل هذه الرؤية واقعًا قابلًا للقياس. والمملكة، وهي تتصدر الجاهزية الرقمية عالميًا، تقدم اليوم صورة دولة لم تكتفِ بمجاراة التحولات، بل شاركت في صياغة إيقاعها الخاص، وبنت لنفسها موقعًا متقدمًا في خريطة الاقتصاد الرقمي الدولي. وهو موقع لا يقوم على الأرقام وحدها، بل على ما وراءها من كفاءة وثقة ونضج تشريعي وتكامل مؤسسي وقدرة على استثمار التقنية بوصفها أصلًا اقتصاديًا لا يقل أهمية عن أي مورد استراتيجي آخر.

وفي المحصلة، فإن تصدر المملكة المركز الأول عالميًا في مؤشر الجاهزية الرقمية لعام 2025 يمثل أكثر من إنجاز دولي جديد؛ إنه شهادة على قوة المسار الوطني، وعلى أن الاقتصاد السعودي يمضي بثقة نحو مرحلة أكثر تقدمًا، حيث تتكامل البنية التنظيمية مع التحول التقني، وتتسع فرص الاستثمار، وتتأكد مكانة المملكة بوصفها واحدة من أكثر دول العالم جاهزية لاقتصاد المستقبل، وأقدرها على تحويل منجزاتها الرقمية إلى مكاسب اقتصادية وتنموية ممتدة الأثر.



إقرأ المزيد