تشابا سيندري: ماذا يمكن للمبتكرين أن يتعلموا من الشركات التي استمرت لأكثر من 150 عاماً؟
جريدة الرياض -

عندما تبدأ توجهات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي بإحداث تأثير في السوق، غالباً ما يُنظر إليها على أنها مجال يخص الأجيال الشابة. فالقواعد تتغير بسرعة، والمسار يبدو تجريبياً وغير مستقر. لكن السؤال الأهم هو: كيف يمكن لشركة تحتفل بمرور 150 عاماً على تأسيسها أن تجد لنفسها مكاناً في هذا المشهد، بل وأن تتصدره؟

رغم الزخم الكبير، لا يزال الفارق بين التجريب وتحقيق أثر ملموس واسعاً. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في منطقة الخليج، ولا سيما في المملكة العربية السعودية، التي تسعى إلى ترسيخ موقعها في طليعة تبنّي الذكاء الاصطناعي. وتشير دراسة حديثة لماكنزي إلى أن 84% من شركات الخليج اعتمدت الذكاء الاصطناعي في وظيفة واحدة على الأقل، إلا أن 31% فقط نجحت في تعميمه على مستوى المؤسسة بالكامل.

هنا يبرز دور الخبرة. فالشركات التي نجحت في اجتياز فترات من التغيير المتسارع تدرك مبكراً أن الحداثة وحدها لا تحقق التقدم. ما يهم هو كيفية دمج التكنولوجيا، وكيفية دعم الأفراد خلال مرحلة التحول، وما إذا كانت الابتكارات تخدم هدفاً واضحاً.

في هنكل، لم يكن الابتكار وليد اللحظة، بل ثمرة عقود من الممارسة والتعلّم. فعندما أطلق مؤسسنا منتج “برسيل” عام 1907 كأول منظف ذاتي الفعالية في العالم، أحدث تحولاً جذرياً في أنماط الحياة اليومية. لكن تحويل الابتكار إلى نجاح واسع النطاق تطلّب أكثر من فكرة رائدة؛ تطلّب تعاوناً وثيقاً، وفهماً عميقاً لاحتياجات المستهلكين، وقدرة مستمرة على التكيّف مع واقع الأسواق. وفي المملكة العربية السعودية، قدّمنا “برسيل” عام 1998 إلى جانب منتجات مصممة خصيصاً لتلبية الاحتياجات المحلية، ما أسهم في بناء سمعة راسخة تقوم على الجودة والثقة.

كما أن تحويل الأفكار الطموحة إلى نتائج ملموسة يتطلب انضباطاً داخلياً. فعندما التزمنا بالريادة في مجال الاستدامة عام 1994، قمنا بترسيخ هذا التوجه في صميم عملياتنا. واليوم، تعمل جميع مواقع التصنيع التابعة لقطاع تقنيات المواد اللاصقة في الشرق الأوسط وأفريقيا بنسبة 100% من الكهرباء المتجددة، ما يعادل إزالة 2,500 سيارة تعمل بالبنزين من الطرق سنوياً. ومن خلال تجسيد روح الريادة في منتجاتنا وثقافتنا وعملياتنا، نضمن أن يحقق الابتكار أثراً مستداماً وعلى نطاق واسع.

ورغم أن ثورة الذكاء الاصطناعي اليوم تجلب أدوات جديدة وغير مألوفة، إلا أن أسس النجاح هذه تظل ثابتة.

في بيئات البحث والتطوير لدينا، يُسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع عمليات الاختبار المنهجية، ما يتيح مقارنة التركيبات المختلفة، وتطوير حلول تناسب الظروف المناخية المحلية، وتقليل الاعتماد على التجربة والخطأ. وفي عمليات التصنيع، تعتمد حلول السلامة المدعومة بالذكاء الاصطناعي على بيانات واسعة ورؤى آنية للتنبؤ بالمخاطر قبل وقوعها، مما يتيح التدخل المبكر وتقليل المخاطر وتعزيز بيئات عمل أكثر أماناً ومرونة. وتُظهر هذه الأمثلة بوضوح أن الذكاء الاصطناعي يعزز عملية اتخاذ القرار، لكنه لا يستبدل القيم المؤسسية أو الخبرات المتراكمة.

فما الدروس التي يمكن أن يستفيد منها المبتكرون في المنطقة؟

إن الاستمرارية على مدى 150 عاماً لا تتحقق بالصدفة، بل هي نتيجة التزام راسخ بالتميّز، وطموح لقيادة الأسواق، وانضباط يستند إلى هدف واضح. ومع تزايد حضور الذكاء الاصطناعي في مختلف جوانب العمل، يبقى هذا النهج هو العامل الحاسم في تحقيق النجاح.

كما يسهم هذا التوجه في بناء بيئة عمل أكثر إبداعاً. فمع تعزيز الذكاء الاصطناعي لجودة المخرجات، تتسع المساحة أمام التعاون البنّاء وتبادل الأفكار. ومن خلال الحفاظ على ترابط الفرق في عالم سريع التغير، تصبح المؤسسات أكثر مرونة وقدرة على المنافسة.

وفي نهاية المطاف، قد يغيّر الذكاء الاصطناعي طريقة عملنا، لكنه لا يغني عن العنصر الأهم: الإنسان فهو العنصر الأساسي الذي يحافظ على الجهد المطلوب لترسيخ ثقافة ابتكار قادرة على الاستمرار لأكثر من 150 عاماً.



إقرأ المزيد