الممرات الجوية.. كيف أعادت دول المنطقة تشغيل شرايين طيران العالم
جريدة الرياض -

في 28 فبراير (شباط) 2026، لم يكن دويّ الانفجارات وحده ما هزّ المنطقة. كان هناك صوت آخر، أخفّ وقعاً في الظاهر، لكنه أشد أثراً على العالم: صوت محركات الطائرات وهي تتوقف تباعاً، في لحظة بدت فيها السماء نفسها وكأنها تُسحب من فوق خرائط الطيران الدولي.

فمع الضربات المنسقة التي نفذتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وما تبعها خلال ساعات من رد إيراني بالصواريخ والطائرات المسيّرة، لم تتوقف التداعيات عند حدود المواجهة العسكرية، بل امتدت سريعاً إلى البنية التحتية الأكثر حساسية في عالم مترابط: الممرات الجوية التي تصل الشرق بالغرب. وما بدأ في ساعاته الأولى كأزمة إقليمية، اتضح أنه قطع مفاجئ لشريان لوجستي عالمي، أصاب قلب الحركة الجوية بين أوروبا وآسيا.

إنهار ما يعرف بـ«الممر الأوسط» أو «المسارات الوسطى»، وهو الجسر الجوي الأكثر كفاءة بين القارتين، خلال وقت قياسي. الرحلات بين لندن وسنغافورة، على سبيل المثال، لم تعد تسلك مسارها المعتاد، بل أُجبرت الرحلات بين أوروبا وآسيا على المرور عبر مسارين أضيق: شمالًا عبر القوقاز وآسيا الوسطى، أو جنوبًا عبر مصر والسعودية وسلطنة عُمان، ما أدى إلى زيادة زمن الرحلات بين 90 دقيقة و3 ساعات على المسار الشمالي، وبين ساعتين و3 ساعات على المسار الجنوبي، وفقًا لبيانات Wego .

في الوقت ذاته، شهدت أسعار وقود الطائرات في الولايات المتحدة ارتفاعًا حادًا، حيث تضاعفت تقريبًا من 2.50 دولارًا للغالون في 27 فبراير إلى 4.88 دولارًا بحلول 2 أبريل، وفقًا لشبكة CNBC، فيما أظهرت بيانات الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA) ارتفاع الأسعار عالميًا بنحو 106 % على أساس شهري حتى الأسبوع المنتهي في 20 مارس، بعدما عجزت الطائرات الأقدم والأقل كفاءة عن مواكبة المسارات الجديدة الأطول والأكثر استنزافاً.

ثم جاءت الإغلاقات المتلاحقة لتُدخل المنطقة في واحدة من أوسع حالات الشلل الجوي في تاريخها الحديث. أغلقت قطر والبحرين والكويت والعراق والأردن وإيران مجالاتها الجوية، فيما أغلقت سورية أجزاء من ممرها الجنوبي. وخلال الساعات الأربع والعشرين الأولى فقط، أُلغيت أكثر من 2800 رحلة. وبعد أسبوع واحد، تجاوز العدد 23 ألف رحلة، قبل أن يقفز إلى أكثر من 52 ألف رحلة بحلول نهاية مارس (آذار)، أي ما يزيد على نصف الحركة الجوية المجدولة في المنطقة بأكملها.

كانت الصدمة عميقة إلى درجة بدت معها المنطقة، التي رسخت نفسها على مدى عقود بوصفها العمود الفقري للطيران بعيد المدى، وكأنها تواجه اختباراً وجودياً. إلا أن ما حدث لاحقاً كان أكثر أهمية من الصدمة نفسها: النظام لم ينهار. لقد امتص الضربة، وبدأ خلال أيام يعيد تشكيل نفسه.

انهيار ممر عالمي لا يمكن الاستغناء عنه

لفهم دلالة ما جرى، لابد أولاً من قياس حجم ما فُقد. فبحسب بيانات شركة «سيريوم» المتخصصة في تحليلات الطيران، أُلغي ما يقرب من ربع الرحلات في الشرق الأوسط في اليوم الأول وحده، فيما اقتربت النسبة من 50 في المائة في بعض البلدان. كما أصدرت سلطات الطيران سلسلة من الإشعارات الملاحية الرسمية «نوتام» أغلقت بموجبها أجزاء شاسعة من الأجواء الإقليمية، بما أدى عملياً إلى قطع الممر الرئيسي بين أوروبا وآسيا.

هذا الممر لم يكن مجرد خيار من بين خيارات متعددة، بل أصبح على مدى السنوات الأخيرة جزءاً لا غنى عنه من بنية الطيران العالمي. ففي عام 2025، استحوذ الشرق الأوسط على نحو 10 في المئة من إجمالي حركة المسافرين الدوليين في العالم، مدفوعاً بشكل رئيسي بنموذج «المحور والتشعب» الذي رسخته مطارات دبي والدوحة وأبوظبي. وحين تعطلت هذه المحاور، لم يكن الضرر محلياً، و إقليمياً، بل انعكس مباشرة على شبكات الربط العالمي.

وسرعان ما بدأت شركات الطيران الأوروبية في إعادة التموضع. علّقت مجموعة «لوفتهانزا» عدداً من مساراتها عبر المنطقة، وقلّصت «إير فرانس – كيه إل إم» عملياتها بشكل ملحوظ، فيما أوقفت «بريتيش إيرويز» خدماتها مجدداً بعد استئناف محدود لبعض الرحلات. كانت الرسالة واضحة لشركات الطيران كافة: الجسر الجوي الأكثر كفاءة بين الشرق والغرب أصبح تحت ضغط حاد، وربما خارج الخدمة في أي لحظة.

وفي الوقت الذي تقلّصت فيه خيارات السفر التجاري، اتجه المسافرون القادرون مالياً إلى الطيران الخاص. وارتفعت تكاليف استئجار الطائرات التجارية بعيدة المدى لتتراوح بين 120 ألفاً و200 ألف دولار للرحلة الواحدة، بينما قفز الطلب بنحو 300 في المائة. فجأة، وجد النظام الجوي العالمي، الذي بُني طوال عقود على تعظيم الكفاءة، نفسه مضطراً إلى إعطاء الأولوية للبقاء.

السعودية تعاملت مع 140 مليون مسافر من خلال مليون رحلة إلى 176 وجهة دولية

السعودية تملأ الفراغ

تحركت المملكة العربية السعودية سريعاً لملء الفراغ الفوري الذي خلفه انهيار الممرات المركزية. غير أن هذا التحرك لم يكن ارتجالياً ولا استجابة ظرفية، بل نتيجة مباشرة لاستثمارات متراكمة على مدى سنوات في البنية التحتية والتنظيم والربط الدولي.

فبحلول 2025، كانت المطارات السعودية قد سجلت مستويات قياسية، بعدما تعاملت مع أكثر من 140 مليون مسافر عبر ما يقرب من مليون رحلة، مع شبكة ربط تمتد إلى 176 وجهة دولية. كما كانت القدرة التنظيمية قد تعززت عبر التوسع في الاتفاقات الثنائية، وتطوير الأطر الرقابية، وبناء شراكات تشغيلية رفعت جاهزية المنظومة ككل.

وعندما أُغلقت الممرات المركزية في الخليج، كانت شركات الطيران في حاجة إلى مسار بديل يربط أوروبا بآسيا. المسار الشمالي عبر تركيا والقوقاز وأفغانستان كان ممكناً من الناحية النظرية، لكنه جلب معه التأخير والازدحام وارتفاع المخاطر التشغيلية. أما البديل الجنوبي، فظل قابلاً للتشغيل: رحلات أعيد توجيهها عبر مصر إلى الأجواء السعودية، مروراً بمنطقة معلومات الطيران في جدة، قبل أن تواصل شرقاً عبر عمان. وعلى الرغم من القيود العسكرية في مناطق محيطة، بقيت الأجواء السعودية مفتوحة وقابلة للتشغيل.

وبذلك، تحولت المملكة فعلياً إلى العمود الفقري لممر جوي عالمي طارئ، وهو دور لم تكن تشغله بهذا الوضوح في السابق، لكنها كانت قد بنت القدرة البنيوية التي تؤهلها له.

دبي.. مواجهة التحدي

في قلب هذه العاصفة، واجه مطار دبي الدولي واحداً من أعنف الاختبارات التشغيلية في تاريخه. ومع ذلك، لم يفقد تماسكه. ففي ذروة الاضطراب، حافظ المطار على خط تشغيل أساسي بلغ 68 في المئة، وهي نسبة بدت مرتفعة مقارنة بما شهدته مطارات إقليمية ودولية أخرى. كما تراجعت معدلات الإلغاء من 32 في المئة إلى 14 في المائة خلال أيام معدودة، في مؤشر على سرعة الاستجابة وقدرة المنظومة على استعادة التوازن.

هذا التعافي لم يكن تلقائياً، بل نتج عن إجراءات احتواء سريعة. فبحلول الأول من أبريل (نيسان)، كانت دبي قد استعادت معظم طاقتها التشغيلية، لتؤكد أن استعادتها لم تكن مجرد عودة إلى العمل، بل استعادة لموقعها كأحد الأعمدة الرئيسية في شبكة الطيران العالمي.

والأهم أن ما جرى في دبي لم يكن مجرد نجاح لوجستي. لقد كان إشارة أوسع: البوابة الجوية الأهم في المنطقة، وربما في العالم على صعيد الربط بعيد المدى، عادت بسرعة وبانضباط، فيما كانت مراكز عالمية أخرى لا تزال تعاني من ارتدادات الأزمة.

منطقة اختُبرت.. ولم تنكسر

القصة الأوسع لهذه الأزمة لا تخص دولة بعينها، بل تخص منظومة إقليمية كاملة أثبتت، رغم وجودها في مركز الاضطراب، أنها قادرة على الامتصاص وإعادة التوجيه والحفاظ على الاستمرارية.

فخلال ذروة الأزمة، حافظت المطارات السعودية على تشغيل ما بين 80 و85 في المئة من الرحلات المجدولة. ويُحتسب هذا الرقم من خلال دمج أداء الشقين المحلي والدولي؛ إذ حافظت الرحلات الداخلية، التي تمثل 46 % من إجمالي حجم القطاع، على طاقتها التشغيلية الكاملة بنسبة 100 %، فيما اعتمدت الرحلات الدولية على الممر الغربي عبر جدة للحفاظ على نحو 70 % من حركتها المجدولة، رغم القيود المفروضة على مسارات العبور الشرقية.

وبعدما توقفت البحرين من استخدام مطارها الرئيس، نقلت «طيران الخليج» عملياتها إلى مطار الملك فهد الدولي في الدمام، مع نقل المسافرين عبر الحدود براً للحاق برحلاتهم. واعتمدت «الخطوط الجوية الكويتية» و«طيران الجزيرة» ترتيبات مشابهة. كما استعان العراق بالأراضي السعودية لتسهيل عودة مواطنيه. وحتى «الخطوط الجوية القطرية» أطلقت عمليات دعم من الرياض، في الوقت الذي كانت تستعيد فيه تدريجياً جزءاً محدوداً من عملياتها انطلاقاً من الدوحة.

وخلال الفترة الممتدة من أواخر فبراير إلى مطلع أبريل، تشير التقديرات إلى أن السعودية شغّلت ما يقارب 100 ألف رحلة رغم الظروف الإقليمية. والأهم أن شبكتها الداخلية، التي تمثل أكثر من نصف إجمالي الحركة، واصلت العمل عند مستوى يقارب 95 في المئة من طاقتها، وهو ما وفر قاعدة استقرار حاسمة منعت تحول الأزمة إلى انهيار منظومي شامل.

هذه لم تكن تصرفات منطقة مكسورة. كانت تصرفات منطقة خضعت لاختبار قاسٍ، فاكتشفت أن لديها عمقاً مؤسسياً راكمته بهدوء على مدى سنوات.

سلطنة عُمان وبيروت.. وجهان للصمود

وسط هذا المشهد، برزت عقدتان إقليميتان تستحقان اهتماماً خاصاً، ليس فقط بسبب أدائهما، بل بسبب الطريقة المختلفة التي جسدتا بها مفهوم الصمود.

في عُمان، ظهر نموذج الاستقرار الصامت. برزت السلطنة كواحدة من أكثر نقاط الطيران استقرارًا في المنطقة؛ إذ ظل المجال الجوي لمسقط مفتوحًا طوال فترة الأزمة، وأصبح مركزًا مفضلًا لرحلات الإغاثة والإجلاء الإقليمية، حيث استخدمته كل من الخطوط الجوية القطرية، وبريتيش إيرويز، ولوفتهانزا وغيرها، وفقًا لبيانات Flightradar24 وبحلول أواخر مارس، سجلت كل من الطيران العُماني وطيران العربية صفر حالات إلغاء، متفوقتين بذلك على جميع نظرائهما الرئيسيين في المنطقة.

وفي شبكة جوية مجزأة ومضطربة، تحولت عُمان إلى مركز الارتكاز الأكثر هدوءاً والأكثر موثوقية في آن واحد.

أما بيروت، فقد مثلت شكلاً مختلفاً وأكثر درامية من الصمود. فمطار رفيق الحريري الدولي واصل العمل رغم الضغوط الأمنية المباشرة، معتمداً على بروتوكولات تشغيلية سريعة الاستجابة. واستمرت «طيران الشرق الأوسط» في تشغيل شبه كامل لرحلاتها، بدعم من تنسيق أرضي شديد الكثافة خفّض زمن تجهيز الطائرات إلى أقل من 30 دقيقة في بعض الحالات. وإذا كانت عُمان قد قدمت نموذج الصمود البنيوي، فإن بيروت قدمت نموذج الصمود المؤسسي، أي قرار الاستمرار في العمل حتى مع تدهور الظروف المحيطة وتحت التهديد المباشر.

وبين التجربتين، تتضح حقيقة مهمة: الصمود في الطيران ليس شكلاً واحداً. فالمعيار ليس غياب الاضطراب، بل وجود منظومة قادرة على امتصاصه.

أوروبا أمام انكشاف هيكلي

وبينما كانت المنطقة تعيد ترتيب نفسها، كشفت الأزمة عن هشاشة أعمق في الطيران الأوروبي. فحتى قبل 2026، كانت شركات القارة قد بدأت تتكيف مع القيود المفروضة على استخدام الأجواء الروسية، وهو ما دفعها إلى الاعتماد بشكل أكبر على الشرق الأوسط كممر بديل يوفّر الكفاءة والربط عبر المحاور الخليجية الكبرى.

لكن تعطّل هذا الممر بشكل مفاجئ ولو مؤقتاً، خلق صدمة هيكلية ثانية في غضون سنوات قليلة. ارتفعت تكاليف الوقود، وطالت أزمنة الرحلات، وتراجعت الكفاءة التشغيلية، وأصبحت عمليات تعليق الخطوط أمراً لا مفر منه، سواء في نقل الركاب، أو الشحن.

وكان التباين صارخاً. ففي الوقت الذي انكمشت فيه شركات الطيران الأوروبية تحت ضغط الأزمة، كانت الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط، من الرياض إلى مسقط إلى بيروت، تعيد التوجيه وتواصل التشغيل وتحافظ على استمرارية الشبكة. وبذلك لم يكن الشرق الأوسط مجرد ضحية للأزمة، بل بدا في كثير من جوانبها، الطرف الأكثر قدرة على التعامل معها.

فسيفساء الصمود: خريطة طيران جديدة

ما فرضته أحداث 2026 هو مراجعة جذرية لمعنى «المرونة»، أو «الصمود» في قطاع الطيران. تقليدياً، كان هذا المفهوم يعني القدرة على استعادة العمليات بعد وقوع الاضطراب. أما هذه الأزمة، فقد أظهرت نموذجاً أكثر صعوبة: الصمود بوصفه القدرة على الاستمرار أثناء الاضطراب نفسه.

لقد أعادت هذه الأزمة رسم مسارات الطيران، لكنها أعادت أيضاً رسم خريطة القدرة في الطيران العالمي. دخل الشرق الأوسط هذه الأزمة بوصفه أهم منطقة عبور جوي بعيد المدى في العالم، وخرج منها بوصفه شيئاً أكبر: مثالاً عملياً على كيفية امتصاص منظومة إقليمية لصدمة خارجية قاسية، والحفاظ على الاتصال للعالم ثم التعافي بانضباط مؤسسي.

ما حدث أن الشرق الأوسط لم يكتفِ بتجاوز الأزمة. بل أظهر للعالم كيف تُختبر أنظمة الطيران تحت أقصى درجات الضغط، وماذا يعني فعلاً أن تحافظ على الخط عندما يبدأ كل شيء من حولك في التصدع.



إقرأ المزيد