مجابهة العدوان على مصادر طاقة المملكة تبرهن استراتيجيتها المحترفة لإدارة الأزمات
جريدة الرياض -

أكد ‏محللون نفطيون واقتصاديون بأن المملكة العربية السعودية تمتلك استراتيجية احترافية لإدارة الأزمات الكبرى، مستشهدين بتريثها بالإعلان عن الاستهدافات الأخيرة من طائرات ومسيرات إيران الغاشمة على مناطق إنتاج الطاقة بالمملكة والتي تؤثر على تدفقات ووصول النفط للخارج.، ‏فإدارة أخبار الطاقة في المملكة لا تقل أهمية عن إنتاج الطاقة نفسه، التوقيت هو "صمام أمان" يمنع تحول الحادث الأمني إلى أزمة اقتصادية عالمية، حيث جاءت دقة الأرقام تسبق سرعة الخبر، فعند الإعلان الفوري عن هجوم دون تحديد حجم الضرر بدقة يفتح الباب للمضاربات والإشاعات التي قد ترفع الأسعار 10 % في دقائق،‏ فالانتظار لأيام سمح للمتخصصين بحصر الضرر بدقة (300 ألف برميل)، مما حوّل الخبر من "كارثة مجهولة"، إلى "رقم تقني معلوم" يمكن للسوق استيعابه.

ففي ‏ سياسة "الإصلاح ثم الإفصاح"، اعتمدت المملكة استراتيجية دائما على ‏احتواء الأزمة داخلياً أولاً، التأخير لعدة أيام مما يعني أمام الإعلام والمحللين السياسيين والاقتصاديين بأن أرامكو كانت تعمل بصمت على تأمين البدائل، وتحويل المسارات، أو السحب من المخزون، ‏والإعلان يأتي فقط بعد أن أصبحت خارطة الحل جاهزة،‏ مما يرسل رسالة طمأنينة للمستهلكين: نحن مسيطرون، وحرمان "المعتدي من التقييم الفوري، في الصراعات العسكرية، حيث يبحث المهاجم دائماً عن تغذية راجعة ليعرف هل أصاب هدفه أم فشل، ‏فالصمت الرسمي ‏يترك الطرف الآخر في حيرة، ويحرمه من توظيف الحدث إعلامياً في ذروته، مما يقلل من القيمة السياسية للهجوم، و‏جاء توقيت إعلان الخبر عندما كانت الأسواق الكبرى (لندن ونيويورك) تقترب من الإغلاق، وهذا التوقيت يمنع تداولات الذعر، ويجعل ردة فعل السعر عقلانية عند الافتتاح.

‏الشفافية.. عنصر موثوقية

وبإعلانها عن تأثر الإنتاج بـ300 ألف برميل‏ واستهداف محطة ضخ على خط "شرق-غرب" الاستراتيجي، تكرس المملكة صورتها‏ كمنتج مسؤول، وهي لا تخفي الحقائق،‏ ولكن تعلنها في الوقت الذي يخدم استقرار الاقتصاد العالمي، ‏لا في الوقت الذي يخدم أهداف المتربصين بالأسعار، و‏يعتقد المستشار الاقتصادي، عيد العيد، أن الاستهدافات كانت غير متوقعة في بداية الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، مؤكدا أن ما يميز هذا الإعلان من وزارة وزارة الطاقة، أن المملكة لم تتحدث عن هذه الاستهدافات في وقتها، وكان طبعا الهدف الرئيس من ذلك -من وجهة نظري- عدم إرباك الأسواق فنحن نعلم أنه لو تم الإعلان بوقتها لربما تجاوزت أسعار النفط الأرقام التي شاهدناها بشكل كبير جدا، وهذا يحسب الحقيقة للمملكة، ويؤكد على حرصها على استقرار الأسواق العالمية، وكذلك الإمدادات، واستقرار الاقتصاد العالمي، وأضاف بأن ذلك رسالة للمجتمع الدولي وللعالم بأن يكون لهم دور في إيقاف هذه الحرب من خلال المباحثات التي تحدث الآن في باكستان او غيرها لأهمية استقرار المنطقة. 

ووأضح بأن حجم الاستهدافات كان كبير جداً وشمل أربع مصافي شمل خطوط إمداد محطات إعادة توصيل الموجودة على خط شرق-غرب ، وهذا طبعا أثر بشكل كبير جدا في تدفق النفط بالذات الصادر، فعندما نتحدث عن الصادرات فإنها إنخفضت وتم تعويضها عن طريق خط شرق- غرب، هذه الاستهدافات أضعفت من قدرة هذا الخط في إمداد العالم بالنفط. 

ويرى أن المغزى الثاني من التريث في الإعلان هو أن يكون على إيران أن تدفع تعويضات للمملكة، والمملكة الآن ترصد جميع هذه الاستهدافات، وسيكون هناك تعويضات من خلال ما ستقدمه المملكة من أرقام وتوضيح حجم الخسائر التي طالت هذا القطاع الحيوي في المملكة، وبالتالي أعتقد ستكون تأثيراتها سلبية بشكل كبير جداً على إيران، خاص وأنه سيكون هناك من وجهة نظري كما حدث للعراق في حرب إيران وفي حرب الكويت، حيث تم الضغط على العراق وقدم تعويضات كبيرة جدا للكويت، والآن يجب على إيران أن تقدم تعويضات كبيرة جداً لدول الخليج جراء هذا القصف المتعمد للسلم المجتمعي.

تأثيرات عالمية

ولفت العيد، بأن إمدادات البترول أثرت على الاقتصاد العالمي، لا سيما ونحن الآن في البداية، متوقعا خلال ثلاثة إلى ستة الأشهر المقبلة سيكون هناك تأثيرات اقتصادية مهولة جداً، ليس فقط على إمدادات النفط والطاقة بشكل خاص، ولكن حتى على الأمن الغذائي العالمي، والسؤال هنا كيف ممكن أن تتفاعل أسعار النفط مع هذه التطورات؟ وهل نتوقع قفازات حادة في أسعار النفط أم ان السوق قادر على امتصاص الصدمة؟ وأعتقد من وجهة نظري، وحسب المتابعة الآن هي انخفاض الأسعار ولكن بعد هذا الإعلان الحقيقة، كأن الأسواق انتبهت إلى أن هناك مشكلة وبالتالي كان هناك ارتداد للأسعار، وربما تستمر الأسعار في هذه الحدود لكن لا أعتقد أنها سترتفع أكثر من ذلك نظرا لتوقف الحرب، وبالتالي نحن نعرف أن جزءا كبيرا من ارتفاع الأسعار هو بسبب العامل النفسي أكثر من ما هو بسبب الوضع الحقيقي إن صحت العبارة. 

وعن ارتداد الأسعار، أشار في حال أن عادت الحرب أو لم يكن هناك اتفاق لإيقافها، أعتقد أن القفزات ستكون كبيرة جدا خاصة بعد إعلان المملكة عن هذه الاستهدافات الكبيرة التي أثرت على إمدادات النفط بنحو 700 الف برميل للسوق العالمي.

وعن قدرة المملكة على التعويض وما دور المخزونات الإستراتيجية؟، يرى العيد، أن المملكة أساساً لديها نظرة بعيدة المدى منذ سنوات طويلة، وأوجدت الحقيقة مراكز تخزين كبيرة جداً في عدد من الدول عندما نتحدث عن الصين عن اليابان وعن كوريا الجنوبية أو حتى عن دول في أوروبا مخزونات كبيرة جدا، وأعتقد أن هذه المخزونات ستغطي جزءا بسيطا من احتياجات السوق العالمي، إلى جانب مشروع كبير جداً للمملكة وهو إيجاد مخازن في فيتنام وفي الفلبين، وأعتقد أن هذا الحدث الآن سيؤدي بشكل كبير جداً إلى تغيير الإستراتيجية وتوسيع المخازن التي تمتلكها المملكة أو حتى دول الخليج في الدول التي لديها طلب عالي على النفط، وخاصة عندما نتحدث عن الهند ودول شرق آسيا بشكل أساسي وحتى كذلك عن دول الغرب، لذلك أعتقد أن هذه المخزونات ستكون عاملا مساعدا، ولكن لن تكون ذات تأثير كبير جدا لأن حجم الاحتياطيات الموجودة فيها قليلة نتكلم عن 8 إلى 12 مليون برميل، وهذه ارقام ربما تستهلكها أي دولة من هذه الدول في أيام بسيطة، لذلك نحتاج الحقيقة إلى نظرة أكبر وإلى التوسع في هذا المشروع بشكل كبير جدا. 

خطط حماية جديدة 

وعن المرحلة الجديدة من استهداف البنية التحتية للطاقة في المنطقة أم أن هذه المرحلة انتهت؟، قال هناك استراتيجية جديدة من هذه الدول التي تم استهداف خطوطها او حتى مصادر الطاقة لها بخطط حماية أخرى، لا سيما ونحن نتعامل مع نظام غير ناضج وبالتالي ربما تتكرر مثل هذه الاستهدافات في المستقبل، اذا لم يتم التوصل الى اتفاق لإنهاء هذه الحرب وايقافها. 

وأضاف أن المملكة مستعدة وأوجدت الحقيقة حلول كبيرة جدا، والآن لديها خطط لتوسيع في خطوط الأنابيب سواء شرق-غرب أو حتى من بعض الدول، فهناك حديث عن مد أنابيب من الكويت ومد أنابيب من قطر للغاز المسال ومد أنابيب من عدة مناطق، والاستفادة من بحر العرب وخليج عمان وربما حضرموت والمهرة وهي مناطق بعيدة جدا عن الاستهدافات. 

ويعتقد العيد، بأننا الآن أمام تغير كبير في المشهد، ويجب تبني خريطة طاقة عالمية، ملمحاً بأن هناك تغيرا كبيرا جداً في المخطط، وستسعى المملكة ودول الخليج له خاصة أن هذا الدرس ربما يتكرر الحقيقة نحن لسنا أمام دولة عاقلة أو دولة ناضجة تتعامل مع الأحداث وفق ما يملي عليها المجتمع الدولي، شاهدنا استهدافات كبيرة جدا للبنية التحتية، ولخطوط الإمداد، ولمحطات الطاقة ومحطات التكرير. 

وعن المؤشر الذي يجب مراقبته لمعرفة اتجاه أسعار الطاقة في الأيام المقبلة، قال الحقيقة لا بد أن نعلم أن حجم الإمدادات العالمي نقص بشكل كبير جداً، ونحن نتحدث حقيقة عن نقص نحو 12 مليون برميل وهو يمثل نحو ما بين 12 إلى 15 ٪؜ من الإمدادات وهذا طبعا رقم كبير جداً، الأمر الآخر أن النظام الإيراني، لا يمكن التنبؤ بما سيقوم به مستقبلا، وبالتالي لا بد أن تؤخذ هذه الأمور في الاعتبار، خاصة، والعالم يعتمد بشكل كبير جداً على هذه المنطقة في توفير نحو 20 - 25 ٪؜ من إمدادات الغاز الطبيعي والنفط، لذلك نحن الحقيقة أمام مشهد سيختلف تماما في المستقبل وربما نسمع قريباً عن مد خطوط إضافية شرق-غرب سواء من المملكة، أو من بحر العرب أو خليج عمان.



إقرأ المزيد