عرض النقود في اقتصاد المملكة.. قصة ثقة تنمو رغم رياح الحرب
جريدة الرياض -

في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث وتتعقد فيه التحديات، تظل المؤشرات النقدية أحد أكثر المقاييس صدقًا في قراءة نبض الاقتصاد، لأنها تعكس الثقة قبل أن تعكس الأرقام، ومن بين هذه المؤشرات يبرز "عرض النقود" بوصفه مرآة لحجم السيولة، واتجاهات الادخار، وسلوك القطاعين العام والخاص، وعند قراءة تطور عرض النقود في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة، تتكشف قصة مختلفة .. قصة اقتصاد لا يكتفي بالصمود، بل يعيد تشكيل توازنه وسط العواصف.

عرض النقود .. ما الذي يعنيه فعليًا؟

عرض النقود ليس مجرد رقم مالي، بل هو تجسيد لحجم السيولة المتاحة في الاقتصاد ويتدرج من:

ن1 = النقد المتداول خارج المصارف + الودائع تحت الطلب (السيولة الفورية)

ن2 = ن1 + الودائع الزمنية والادخارية (السيولة شبه السائلة)

ن3 = ن2 + الودائع الأخرى شبه النقدية (أوسع نطاق للسيولة)

هذا التدرج يعكس عمق النظام المالي، ومدى قدرة الاقتصاد على تمويل نفسه داخليًا دون الاعتماد المفرط على الخارج.

قراءة في الأرقام: صعود متدرج بثقة عالية

عند العودة إلى بيانات الجدول، نجد أن عرض النقود بمفهومه الواسع (ن 3) ارتفع من 2.308 تريليون ريال في 2021 إلى 3.167 تريليون ريال في 2025 أي بزيادة تقارب 860 مليار ريال خلال أربع سنوات فقط، وهو نمو كبير يعكس عدة عوامل:

1.توسع النشاط الاقتصادي غير النفطي.

2.زيادة الودائع، سواء تحت الطلب أو الادخارية.

3.تحسن مستويات الثقة في القطاع المصرفي.

لكن اللافت ليس فقط النمو الكمي، بل تركيبة هذا النمو.

التحول في سلوك السيولة

النظر إلى مكونات عرض النقود يكشف تحولًا مهمًا:

•الودائع تحت الطلب بقيت مرتفعة، مما يدل على نشاط اقتصادي وحركة تداول قوية.

•الودائع الزمنية والادخارية شهدت قفزة كبيرة (من 495 مليار إلى 1.17 تريليون ريال)، وهو مؤشر واضح على تعاظم ثقافة الادخار والاستثمار طويل الأجل.

هذا التوازن بين السيولة السريعة والادخار يعكس اقتصادًا ناضجًا لا يعتمد فقط على الإنفاق، بل على إدارة مالية أكثر كفاءة.

2026- اختبار حقيقي في زمن الأزمات

إذا كانت السنوات الماضية تمثل مرحلة نمو، فإن بداية 2026 كانت اختبارًا حقيقيًا، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية، خصوصًا مع الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما صاحبها من:

•إطلاق صواريخ

•استخدام الطائرات المسيّرة

•تهديدات مباشرة وضرب منشآت الطاقة

كان من الطبيعي أن تتجه التوقعات نحو اضطراب اقتصادي أو خروج سيولة من المنطقة، لكن ما حدث في السعودية عكس ذلك تمامًا، قفزة في عرض النقود كانت رسالة ثقة في زمن الحرب، حيث سجل عرض النقود في الربع الأول من 2026، زيادة قوية بلغت 214 مليار ريال، هذا الرقم لا يمكن قراءته كزيادة عادية، بل هو:

•تصويت ثقة داخلي من الأفراد والشركات

•رسالة استقرار خارجي للمستثمرين العالميين

في أوقات الخوف، عادةً ما تهرب الأموال، لكن في الحالة السعودية، الأموال تدفقت أو بقيت مستقرة، وهو ما يعكس قوة الأسس الاقتصادية.

لماذا صمدت السعودية؟

هناك عدة أسباب تفسر هذه الظاهرة:

  1. متانة النظام المصرفي

القطاع البنكي في السعودية يتمتع برسملة قوية وسيولة عالية، ما جعله قادرًا على امتصاص الصدمات دون اهتزاز.

  1. سياسة نقدية متوازنة

لم يكن هناك إفراط في التوسع ولا تشدد مفرط، بل إدارة مرنة حافظت على التوازن بين النمو والاستقرار.

  1. تنويع الاقتصاد

الإصلاحات المرتبطة برؤية 2030 قللت من الاعتماد على النفط، ووسعت قاعدة النشاط الاقتصادي.

  1. الثقة السيادية

المستثمر لا ينظر فقط إلى الأرقام، بل إلى القدرة على إدارة الأزمات، والسعودية أثبتت ذلك بوضوح.

السعودية كملاذ آمن

في عالم مليء بالتقلبات، يبحث رأس المال عن "الملاذ الآمن" تقليديًا، كانت هذه الصفة مرتبطة باقتصادات معينة، لكن ما حدث مؤخرًا يشير إلى تحول مهم:

السعودية لم تعد فقط اقتصادًا قويًا .. بل أصبحت بيئة آمنة لرأس المال.

•لم نشهد نزوحًا جماعيًا للأموال

•لم تتعرض البنوك لضغوط سيولة

•لم تتراجع الثقة المحلية

بل على العكس، ارتفع عرض النقود، وكأن الاقتصاد يقول: نحن خارج دائرة القلق.

ماذا تعني هذه الأرقام للمستقبل؟

ارتفاع عرض النقود بهذا الشكل يحمل دلالات مهمة:

1.استمرار النمو الاقتصادي، زيادة السيولة تعني قدرة أعلى على التمويل والاستثمار.

2.ارتفاع الطلب المحلي، ما يدعم القطاعات غير النفطية.

3.جاذبية استثمارية أكبر، لأن الاستقرار النقدي أحد أهم عوامل جذب رؤوس الأموال.

لكن في المقابل، يبقى التحدي في:

•إدارة التضخم

•توجيه السيولة نحو القطاعات الإنتاجية

•تجنب الفقاعات المالية

الخلاصة

قصة عرض النقود في السعودية ليست مجرد أرقام في جدول، بل هي سردية اقتصاد استطاع أن:

•ينمو بثبات

•يعزز ثقته الداخلية

•ويثبت قوته في أصعب الظروف

الزيادة التي بلغت 214 مليار ريال في الربع الأول 2026 لم تكن مجرد رقم، بل شهادة حقيقية على أن السعودية أصبحت ملاذًا آمنًا في زمن الاضطراب، وفي عالم تتغير فيه موازين القوى الاقتصادية بسرعة، تبقى السيولة هي المؤشر الأصدق، وعندما ترتفع في أوقات الخوف، فذلك يعني أن الثقة وصلت إلى مستوى غير عادي.

حسين بن حمد الرقيب


إقرأ المزيد