إطالة العمر في المملكة.. توجه صحي يعزز جودة الحياة ويخفف عبء الأمراض المزمنة
جريدة الرياض -

تشهد المملكة العربية السعودية تحولًا نوعيًا في مفهوم الرعاية الصحية، يتجاوز النموذج التقليدي القائم على علاج المرض بعد حدوثه، نحو نموذج أكثر شمولية يركز على الوقاية، والتنبؤ المبكر، وتحسين جودة الحياة. ويأتي هذا التحول متسقًا مع مستهدفات رؤية السعودية 2030، التي تسعى إلى رفع متوسط العمر المتوقع إلى نحو 80 عامًا خلال السنوات القادمة.

وتشير بيانات وزارة الصحة إلى أن الأمراض غير المعدية، مثل أمراض القلب والسكري والسرطان، تمثل ما يقارب 70% من إجمالي أسباب الوفاة في المملكة، وهو ما يعكس حجم التحدي الذي يواجه النظام الصحي، ويبرز أهمية الانتقال إلى نماذج صحية تعتمد على الوقاية المبكرة.

كما أظهرت بيانات الهيئة العامة للإحصاء (GASTAT) أن متوسط العمر المتوقع في المملكة بلغ نحو 75 عامًا في السنوات الأخيرة، مع تحسن ملحوظ في مؤشرات جودة الحياة، مدفوعًا ببرامج الصحة العامة والتوسع في الخدمات الصحية.

من العلاج إلى التنبؤ

في هذا السياق، يبرز مفهوم “الصحة المديدة” أو “إطالة العمر” كأحد الاتجاهات الحديثة التي تعتمد على استخدام التقنيات المتقدمة، مثل التحاليل الجينية وتحليل المؤشرات الحيوية، للتنبؤ بالمخاطر الصحية قبل ظهورها.

ويهدف هذا النهج إلى تقليل معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة من خلال التدخل المبكر، وتحسين أنماط الحياة، مما ينعكس إيجابًا على صحة الفرد واستدامة النظام الصحي.

وفي هذا الإطار، أوضح الدكتور عبدالرحمن العنقري، رئيس مجلس إدارة الجمعية السعودية للصحة المديدة، أن:

“الاستثمار في الوقاية لا ينعكس فقط على صحة الفرد، بل يساهم أيضًا في تقليل التكاليف الصحية على المدى الطويل، خاصة مع ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة”.

وأضاف أن التطور في برامج إطالة العمر أصبح مدعومًا بأدلة علمية متزايدة، من بينها دراسة منشورة عبر PubMed أجرتها إحدى الجهات الصحية في القطاع الخاص evercare.sa ، تناولت دور بعض الأدوية المتقدمة في تحسين الصحة العامة واطالة العمر

دور القطاع الخاص في تسريع التحول

ومع تزايد الوعي الصحي، بدأ القطاع الخاص يلعب دورًا متناميًا في تطوير هذا المجال، من خلال تقديم نماذج جديدة تجمع بين الطب الوقائي، والمتابعة المستمرة، والخدمات الصحية المتكاملة.

وتعتمد هذه النماذج على بناء علاقة طويلة الأمد مع المستفيد، بدلًا من الاقتصار على زيارات علاجية متقطعة، مما يسهم في تحسين النتائج الصحية على المدى الطويل.

وفي هذا السياق نلاحظ تزايد الثقة في مستقبل هذا القطاع، حيث تدرس شركة evercare ضخ استثمارات تُقدّر بنحو 10 ملايين دولار خلال الفترة القادمة، بهدف التوسع في السوق المحلي من خلال إنشاء مراكز متخصصة في الصحة المديدة، وتطوير خدمات تعتمد على أحدث التقنيات العالمية. تدرس بعض الشركات الصحية المحلية التوسع في خدمات الصحة المديدة، من خلال إنشاء مراكز متخصصة وتطوير برامج صحية متقدمة، حيث تشير التقديرات إلى استثمارات مرتقبة بملايين الدولارات لدعم هذا التوجه في السوق المحلي.

فرص واعدة وتحديات قائمة

ورغم الفرص الكبيرة التي يحملها هذا القطاع، إلا أنه لا يزال في مراحله الأولى، ويواجه عددًا من التحديات، من أبرزها:

• الحاجة إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي

• تطوير الأطر التنظيمية لطب إطالة العمر

• ضمان جودة ودقة الخدمات المقدمة

في المقابل، تمتلك المملكة مقومات قوية لدعم نمو هذا القطاع، تشمل:

• دعم حكومي متزايد لبرامج الوقاية

• بنية تحتية صحية متقدمة

• ارتفاع الاهتمام بجودة الحياة

نحو مستقبل صحي مستدام

ومع تسارع الابتكار الطبي، يبدو أن “إطالة العمر” مرشحة لأن تكون أحد الأعمدة الأساسية لمستقبل الرعاية الصحية في المملكة، ليس فقط من الناحية الطبية، بل أيضًا كجزء من التحول الاقتصادي نحو قطاعات ذات قيمة مضافة عالية.

وفي ظل هذه المعطيات، يتوقع أن يشهد هذا القطاع نموًا متسارعًا خلال السنوات القادمة، مدفوعًا بتكامل الجهود بين القطاعين العام والخاص، وتزايد الطلب على نماذج صحية أكثر استدامة وفاعلية.



إقرأ المزيد