جريدة الرياض - 4/9/2026 1:55:41 AM - GMT (+2 )
أعلنت وكالة الطاقة الدولية عن تضرر 75 منشأة طاقة بالشرق الأوسط جراء الحرب، منها أكثر من 25 منشأة تعرضت لضربات "قاسية" أو "قاسية جدا"، مشيرة إلى أن عمليات إصلاح منشآت الطاقة المتضررة ستستغرق وقتا، وأكد مدير وكالة الطاقة الدولية فاتح بيرول على ضرورة توخي دول العالم أقصى درجات الحذر في ترشيد استهلاك الطاقة على المدى القصير، محذرًا من أن العالم على وشك دخول “أبريل أسود”.
وأوضح أن عمليات الإصلاح سيكون أسهل في دول مثل السعودية بما لديها من قدرات هندسية متقدمة وموارد مالية ضخمة، لكن الوضع أسوأ في دول مثل العراق التي تقترب من "شلل اقتصادي". وتوقع بيرول أن يؤدي استمرار إغلاق مضيق هرمز في أبريل إلى مضاعفة خسارة كمية النفط الخام والمنتجات المكررة مقارنة بشهر مارس، لافتًا إلى أن المضيق يعد أيضًا نقطة عبور رئيسة للأسمدة.
ويرى بيرول أن أزمة الطاقة الحالية الناجمة عن الصراع في الشرق الأوسط هي الأسوأ عالميًا على الإطلاق، متوقعًا أنها ستسرع من وتيرة تطوير مصادر الطاقة المتجددة والنووية ومن الاعتماد على المركبات الكهربائية. وأشار إلى أن أزمة الطاقة الراهنة هي أكثر خطورة من أزمات أعوام 1973 و1979 و2022 مجتمعة، وقد تؤدي إلى تغيير بنية نظام الطاقة العالمي.
يشار إلى أنه وعلى الرغم من الصدمة القوية التي شكلتها حرب إيران لدول المنطقة واقتصاداتها، إلا أن تأثير هذه الصدمة لم يكن بنفس الدرجة على كافة الدول، فالاستعدادات التي اتخذتها بعض دول المنطقة منذ سنوات وعلى رأسها السعودية لمثل هذه الأزمات أحدثت فرقًا حقيقيًا في الشهر الأول من الحرب.
ولم تعد الاستثمارات طويلة الأجل، والبنية التحتية التي جرى تطويرها على مدى عقود في السعودية، إلى جانب التنوع الاقتصادي والاستثماري، مجرد عناصر دعم طويلة الأجل، بل أدوات تشغيلية تُستخدم فعليًا لإدارة الأزمات والحفاظ على استقرار الاقتصاد.
ومع امتداد تداعيات الأزمة إلى سلاسل الإمداد والتجارة والغذاء في الخليج، اتجهت السعودية إلى تفعيل شبكة متكاملة تشمل خطوط أنابيب وموانئ ونقل بري وسكك حديدية، إلى جانب حلول تشغيلية في قطاع الطيران، بهدف الحفاظ على انسيابية التدفقات وتخفيف أثر الاضطرابات.
وأكدت المملكة على متانة الاقتصاد مع تصاعد تداعيات الأزمة على أسواق الطاقة والتجارة، وقدرة المملكة على التعامل مع ضغوط الحرب. ومع تعطل الملاحة في مضيق هرمز، أسرعت المملكة إلى محاولة تحصين اقتصادها في وجه الضربات الإيرانية واضطرابات سلاسل الإمداد، حيث برز في هذه الصدد خط أنابيب “شرق - غرب” المعروف باسم “بترولاين” كإحدى أهم أدوات المناورة التي تملكها المملكة عند تعطل الملاحة البحرية. فالخط ينقل الخام من منشآت المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بما يتيح تصديرًا مباشرًا إلى الأسواق غربًا من دون المرور عبر مضيق هرمز.
إن ما يحدث حاليًا في المنطقة يمثل اختبارًا عمليًا لجدوى هذه الاستثمارات، التي أصبحت اليوم أداة لإدارة إمدادات الطاقة عالميًا، في إشارة إلى مشاريع مثل خط الأنابيب “شرق - غرب” الذي بات يلعب دورًا محوريًا في إعادة توجيه الصادرات بعيدًا عن المسارات المتأثرة. فيما يتعلق بقدرة الاقتصاد على الصمود أمام الأزمات الكبرى، أظهرت المملكة تعافيًا ملحوظًا بعد جائحة كورونا، رغم إنفاق أقل نسبيًا مقارنة بدول مجموعة العشرين، ما يعكس قوة الأسس الاقتصادية. ولا يزال النشاط الاقتصادي يسير بشكل طبيعي رغم التحديات العالمية، مع ميل المستثمرين في أوقات الأزمات إلى الاقتصادات الأكثر استقرارًا، وهو ما يضع السعودية ضمن هذه الفئة.
ويأتي التوسع في الممرات اللوجستية السعودية البديلة يأتي ضمن رؤية أوسع تهدف إلى ضمان استمرارية تدفقات التجارة، من خلال ربط موانئ الساحل الغربي بشبكات برية تمتد إلى الأسواق الإقليمية، في إطار مبادرة المسارات اللوجستية التي تستهدف تنويع المسارات وتقليل الاعتماد على القنوات التقليدية.
وعلى صعيد منفصل، تتوقع الولايات المتحدة تراجع إنتاج النفط بالمنطقة بمقدار 9 ملايين برميل في أبريل، وفقًا لتقديرات الحكومة الأمريكية، في ظل الاضطرابات الحادة التي أحدثتها حرب إيران بأسواق الطاقة العالمية.
وأظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ضمن تقرير “توقعات الطاقة قصيرة الأجل”، أن العراق والسعودية والكويت والإمارات وقطر والبحرين خفّضت مجتمعةً إنتاجها من النفط الخام بنحو 7.5 ملايين برميل يوميًا خلال مارس، مع ترجيحات بارتفاع حجم هذه التخفيضات إلى 9.1 ملايين برميل يوميًا في أبريل.
تعكس هذه التقديرات تصاعد تأثير الحرب في إيران، التي باتت تُعدّ من أكبر الاضطرابات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية، لا سيما مع التراجع الحاد في الشحنات عبر مضيق هرمز الحيوي. بحسب التقرير، فإن افتراض انتهاء الصراع بحلول نهاية أبريل قد يدفع حجم الإغلاقات إلى التراجع لنحو 6.7 ملايين برميل يوميًا في مايو، على أن يعود الإنتاج تدريجيًا إلى مستويات قريبة من تلك المسجلة قبل اندلاع النزاع بحلول أواخر عام 2026.
من جهة أخرى، رفعت حرب إيران سعر النفط الروسي لأعلى مستوى في 13 عامًا، لتستفيد موسكو من موجة صعود عالمية بسبب تصاعد التوترات في الشرق الاوسط. بلغ سعر خام الأورال، وهو الخام الرئيس للبلاد، 116.05 دولار للبرميل في 2 أبريل بميناء بريمورسك الروسي، أكبر منشأة لتصدير النفط على ساحل البلاد في بحر البلطيق، وفق بيانات “أرغوس ميديا”.
يقارب السعر، الذي لا يشمل تكاليف الشحن، ضعف متوسط 59 دولارًا للبرميل المفترض في ميزانية روسيا لهذا العام. وتخفف إيرادات النفط غير المتوقعة الضغوط على مالية الكرملين بينما يواصل حربه في أوكرانيا.
من جهتها توقعت وكالة "أس أند بي غلوبال" ان يبقى سعر النفط مرتفعًا حتى مع انفراجه سريعة لحرب إيران. ومن المتوقع أن تبقى أسعار النفط عند مستويات مرتفعة خلال الأشهر الثلاثة إلى الستة المقبلة، حتى في حال التوصل إلى حل سريع للحرب الإيرانية، نظرًا لعامل الوقت اللازم لإعادة الإمدادات المفقودة إلى السوق، بحسب ديف إرنسبيرجر، رئيس قسم الطاقة في "إس آند بي غلوبال".
وأوضح، بحسب نشرة إيكونوميك بلس سعودي، أن العامل الرئيسي الذي يقود الأسواق حاليًا هو عدم اليقين بشأن تصاعد وتيرة الحرب، واستمرار تهديد الملاحة بمضيق هرمز الذي يمر عبره 20 % من إمدادات الطاقة العالمية المنقولة بحرًا.
وأشار إرنسبيرجر، إلى وجود فجوة غير معتادة بين الأسعار الفورية والعقود الآجلة، تعكس نقصًا فعليًا في الإمدادات يصل إلى 12 و15 مليون برميل يوميًا. كما لفت إلى سيناريوهات متداولة حول تحول المضيق إلى ممر مُدار برسوم، وهو ما قد يعيد تشكيل ديناميكيات تجارة الطاقة عالميًا. من جانبها، تكثف الهند شراء النفط الفنزويلي لتعويض إمدادات الشرق الأوسط، إذ تقترب واردات الهند من النفط الفنزويلي من بلوغ أعلى مستوياتها في أكثر من 6 سنوات، في خطوة من شأنها دعم ثالث أكبر مستورد للخام عالميًا في تعويض الإمدادات القادمة من الشرق الأوسط، والتي تأثرت بفعل حرب إيران.
يُنتظر أن يتدفق أكثر من 12 مليون برميل إلى الساحل الغربي للهند هذا الشهر من المنتجة الواقعة في أمريكا الجنوبية، وهو أعلى مستوى منذ فبراير 2020، وفقًا لبيانات شركة كيبلر لتتبع الشحن عبر البحار.
رجح سوميت ريتوليا، كبير محللي الأبحاث في “كبلر” أن تكون الشحنات المرتقب وصولها في أبريل قد طُلبت قبل الاضطرابات الأخيرة في إمدادات الشرق الأوسط، ما يشير إلى توجه استراتيجي طويل الأمد، وليس مجرد استجابة آنية.
إقرأ المزيد


