متحف «الذهب الأسود».. توثيق لاقتصاد النفط وتعزيز للاستثمارات السياحية
جريدة الرياض -

مع افتتاح صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان بن عبدالعزيز وزير الطاقة رئيس مجلس أمناء "كابسارك"، وصاحب السمو الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان وزير الثقافة رئيس مجلس إدارة هيئة المتاحف، "متحف الذهب الأسود" في "كابسارك" بالرياض، ثمة أسئلة تتناثر مفرداتها.

ما الذي الرسائل والمضامين الاقتصادية التي يحملها المتحف الوليد؟ المهتم بالشأن الإعلامي الاقتصادي طلال لبان قال لـ"الرياض": "في لحظةٍ تتقاطع فيها الذاكرة مع المستقبل، يطلّ متحف الذهب الأسود بوصفه أكثر من مساحة عرض؛ بل منصة تُعيد صياغة قصة النفط من كونها مادةً اقتصادية إلى حكاية إنسانية ممتدة عبر الزمن. هنا، لا تُروى الطاقة بلغة الأرقام وحدها، بل تُترجم إلى تجربة بصرية ومعرفية تُخاطب الوجدان قبل العقل، وتربط بين الإنسان والتحولات الكبرى التي صنعتها هذه الثروة في حياة المجتمعات.

وأضاف لبان: "يأتي هذا المتحف كامتداد لرؤية اقتصادية حديثة في المملكة، تسعى إلى إعادة تقديم مفاهيم الاقتصاد والموارد عبر الفن والمعرفة، حيث تتلاقى الفنون المعاصرة مع الوثائق التاريخية والسرديات البصرية في تجربة متكاملة، فالقصة لم تعد “نفطًا” فقط، بل تحوّلت إلى “أثر” يُقرأ، ويُفهم، ويُعاد تأويله ضمن سياق حضاري وإنساني أوسع.

العائدات الاقتصادية

واعتبر لبان أن أثر المتحف لا يقف عند حدوده الثقافية، بل يمتد ليكون رافدًا اقتصاديًا نوعيًا ضمن منظومة الاقتصاد الإبداعي، فالمتحف، بما يحمله من تجربة فريدة، يُعد عامل جذب سياحي ومعرفي يستقطب الزوار من داخل المملكة وخارجها، مما يعزز من حركة السياحة الاقتصادية والثقافية ويرفد الاقتصاد المحلي بفرص متعددة تشمل الضيافة، والخدمات، والفعاليات المصاحبة، وتابع" كما يفتح المتحف آفاقًا جديدة للاستثمار في الصناعات الثقافية والإبداعية، ويخلق فرص عمل في مجالات الفن، والإنتاج، والتنظيم، والإرشاد الثقافي. والأهم أنه يُسهم في تحويل “قصة النفط” إلى منتج معرفي قابل للتسويق عالميًا، بما يعزز مكانة المملكة كمركز ليس فقط للطاقة، بل لصناعة المحتوى الثقافي المرتبط بها.

ولفت اللبان أن المتحف جمع تحت سقفه أكثر من 170 فنانًا عالميًا من 30 دولة، يعتبر ظاهرة تعكس تعددية الرؤى حول مفهوم الطاقة وتأثيرها. هذا التنوع لا يثري التجربة البصرية فحسب، بل يخلق حوارًا ثقافيًا عابرًا للحدود، يُعيد طرح الأسئلة الكبرى حول الإنسان، والموارد، والتحول الحضاري، معابراً المتحف بيئة محفزة للمهتمين، إذ يقدّم مادة غنية للتأمل والتحليل، ويمنحهم أدوات جديدة لفهم العلاقة بين الاقتصاد والثقافة من زاوية إبداعية. فبين العمل الفني والوثيقة التاريخية، تتشكل مساحة معرفية تُغذي الفكر وتدفع نحو إنتاج رؤى جديدة.

ولا يعد متحف الذهب الأسود مجرد إضافة إلى المشهد الثقافي الاقتصادي، بل تحوّل نوعي في طريقة تقديم واحدة من أهم قصص المملكة. فهو يجمع بين الاقتصاد والثقافة، بين الماضي والمستقبل، وبين المعرفة والتجربة، ليؤكد أن أعظم الثروات ليست في الموارد فقط، بل في القدرة على سرد قصتها للعالم بطريقة تُلهم وتبقى.

ولفت لبان إلى أن تأسيس المتحف الوليد على نموذج تكاملي يجمع بين المؤسسات الاقتصادية، والثقافية والجهات البحثية والقطاع الخاص، بوصفه شراكة تُعيد تعريف دور المتحف من واجهة عرض إلى منصة إنتاج معرفي واقتصادي، فالمؤسسات الثقافية تصوغ السردية الوطنية وتمنحها بعدها الإنساني، بينما تضفي الجهات البحثية عمقًا علميًا يُحوّل المحتوى إلى معرفة موثقة قابلة للتحليل والتطوير، في حين يقود القطاع الخاص كفاءة التشغيل والاستثمار والتوسع. هذا التكامل لا يرفع جودة التجربة فحسب، بل يبني منظومة قيمة متكاملة تمتد من إنتاج المحتوى إلى توطين الصناعات الإبداعية، ومن تحفيز الابتكار إلى خلق فرص استثمارية نوعية. وضمن هذا الإطار، تتحول المتاحف إلى أصول اقتصادية فاعلة تسهم في تنويع الدخل، واستقطاب الشراكات الدولية، وتطوير رأس المال البشري في مجالات الثقافة والمعرفة.

وأضاف لبان: "وفي بعدٍ لا يقل أهمية، يبرز المتحف كأداة توثيق حضارية تعيد قراءة تاريخ النفط بوصفه مسارًا شكّل ملامح الاقتصاد والمجتمع والبيئة. فهو لا يكتفي بسرد البدايات والتحولات الصناعية، بل يقدّم للأجيال قراءة متوازنة تُظهر الأثر الاقتصادي في بناء الدولة وتطوير البنية التحتية، إلى جانب طرح الأسئلة المرتبطة بالتحولات البيئية والاستدامة. ومن خلال هذا الطرح، يصبح المتحف مساحة وعي تُسهم في تشكيل إدراك الجيل الحالي، وتمنح الأجيال القادمة فهمًا أعمق لعلاقة الإنسان بالموارد، وكيف يمكن الانتقال من استهلاكها إلى إدارتها بوعي ومسؤولية. وهنا تتجلى القيمة الحقيقية، ليس في حفظ التاريخ فحسب، بل في توجيه المستقبل عبر وحين تتكامل السردية الثقافية مع المعرفة العلمية والاستثمار، لا نحفظ التاريخ فقط… بل نبني به مستقبلًا أكثر وعيًا واستدامة للأجيال القادمة في وطننا الغالي".

طلال لبان


إقرأ المزيد