جريدة الرياض - 4/5/2026 3:18:35 AM - GMT (+2 )
عندما أغلقت الشركات المدرجة في سوق الأسهم السعودية ميزانياته لعام 2025، كانت الأرقام تتحدث عن مشهد اقتصادي متوازن، نجح فيه العملاق السعودي في امتصاص تقلبات الأسعار العالمية وضغوط السياسة النقدية، محققاً أرباحاً مجمعة بلغت 484 مليار ريال، وبالرغم من أن هذا الرقم يمثل تراجعاً بنسبة 12.26 % عن العام السابق، إلا أن هذا التراجع كان انعكاساً لدورة اقتصادية طبيعية شهدت إعادة تقييم كبرى للأصول النفطية وصعوداً قياسياً للقطاع المصرفي.
أرامكو.. هندسة "صافي الدخل" في عام التحولات
لا يمكن فهم الـ 484 مليار ريال دون التوقف طويلاً عند "أرامكو السعودية"، التي استحوذت وحدها على 72 % من ربحية السوق بإجمالي 348 مليار ريال، لقد واجهت الشركة في 2025 تحدي انخفاض الإيرادات العالمية، وهو ما أدى لتراجع أرباحها بنسبة 11.64 %.
لكن المثير للإعجاب في أداء أرامكو خلال 2025 هو قدرتها على ضبط التكاليف التشغيلية وتقليص الأعباء الضريبية. وبتحليل "صافي الدخل المعدل" الذي بلغ 392.45 مليار ريال، نكتشف أن الربحية الحقيقية للشركة كانت أعلى بكثير، لولا بعض التعديلات المحاسبية المرتبطة بانخفاض قيمة الموجودات وتسوية المشاريع الزميلة. هذا الأداء يؤكد أن أرامكو دخلت عام 2026 وهي في ذروة كفاءتها المالية، مما منح السوق "مصدة صدمات" قوية قبل بدء التوترات الإقليمية الحالية.
المصارف.. الحصان الرابح في مضمار 2025
بينما كانت أرامكو تدير دفة الاستقرار، كانت البنوك السعودية تقود قاطرة النمو. لقد كان 2025 عاماً "ذهبياً" للقطاع المالي الذي استفاد من بيئة الفائدة المرتفعة ونمو الائتمان المحلي.
- البنك الأهلي السعودي: قدم نموذجاً مبهراً في "رشاقة العمليات"، حيث قفزت أرباحه إلى 25 مليار ريال (بزيادة 18 %). السر لم يكن فقط في زيادة الدخل، بل في القدرة الفائقة على خفض المصاريف التشغيلية بنسبة 9.4 %، وهو إنجاز يحسب لإدارة البنك في ضبط الهدر ورفع الكفاءة الرقمية. * مصرف الراجحي: لم يتخلف عن الركب، محققاً نمواً بنسبة 25.7 % ليصل إلى 24.8 مليار ريال. ورغم رفعه للمخصصات الاحترازية، إلا أن الزخم في دخل التمويل والاستثمار كان كافياً لتغطية أي زيادات في المصاريف الإدارية، مما يعكس حيوية "المصرفية الإسلامية" في تلبية احتياجات السوق السعودي المتنامية.
التباين القطاعي.. الفجوة بين الكبار والصغار
يكشف تحليل الـ 20 شركة الكبرى عن مفارقة صارخة؛ فهذه الشركات حققت مجتمعة 494 مليار ريال، وهو رقم يتجاوز إجمالي أرباح السوق كاملاً (484 مليار ريال). هذا يعني حسابياً أن بقية الشركات المدرجة (نحو 209 شركات) قد سجلت "صافي خسارة" جماعي قدره 10 مليارات ريال.
هذه الفجوة تعكس حالة من "التركيز الربحي"؛ حيث استطاعت الشركات القيادية في قطاعات الطاقة والبنوك والاتصالات والخدمات اللوجستية حماية هوامشها، بينما عانت الشركات الأصغر من تكاليف التمويل المرتفعة وضغوط سلاسل الإمداد التي سبقت التوترات الحالية.
لغز الربع الرابع.. هدوء ما قبل العاصفة
عند النظر إلى التطور الربع سنوي، نجد أن الربع الثالث من 2025 كان "ذروة الأداء" بـ 149.26 مليار ريال، بينما شهد الربع الرابع تراجعاً حاداً إلى 69.3 مليار ريال. هذا الهبوط لم يكن ناتجاً عن أحداث خارجية، بل عن عمليات "تنظيف ميزانيات" وتسويات محاسبية سنوية تجريها الشركات الكبرى عادة في نهاية العام المالي، مما جعل السوق يبدأ عام 2026 بقواعد بيانات مالية "نظيفة" ومتحفظة.
الخاتمة: من "استقرار 2025" إلى "تحديات 2026"
انتهى عام 2025 والسوق السعودي يقف على أرضية صلبة، مدعوماً بحوكمة عالية جعلت 229 شركة تفصح عن نتائجها بانتظام مذهل، ومع اندلاع الحرب في مارس 2026، يجد المستثمر نفسه أمام تساؤل جوهري: هل ستكفي أرباح 2025 القوية لتشكيل "وسادة أمان" للشركات السعودية لمواجهة اضطرابات العام الحالي؟ الأكيد أن القوة المالية التي أظهرتها البنوك، والملاءة النقدية الضخمة لأرامكو في ميزانية 2025، تمنحان الاقتصاد السعودي اليوم قدرة فائقة على الصمود في وجه التداعيات اللوجستية والجيوسياسية الراهنة، إن الـ 484 مليار ريال المحققة العام الماضي ليست مجرد رقم، بل هي "مخزون استراتيجي" من الثقة والملاءة، سيعتمد عليه السوق كثيراً لتجاوز ضبابية المشهد في الأشهر المقبلة.
إقرأ المزيد


