التعليم وسيلتنا الأكثر استدامة ونجاحاً في مواجهة التهديدات السيبرانية
جريدة الرياض -

في ظل عالمنا المعاصر شديد الترابط، لم يعد الأمن السيبراني مقتصراً على أقسام تكنولوجيا المعلومات التي تؤدي مهامها بعيداً عن الأنظار، بل صار مؤثراً في تعاملنا مع الخدمات المصرفية، وطريقة تعلمنا، وإنجاز أعمالنا، وتواصلنا مع عائلاتنا. وأصبح الأمن السيبراني مسألة مهمة على الصعيد الوطني، وحجر زاوية للثقة الرقمية. وبينما تمضي الحكومات والمؤسسات بخطوات متسارعة في مسيرة تحولها الرقمي، لم تكن الحاجة إلى تطوير كفاءات محلية مؤهلة في الأمن السيبراني بأشد مما هي في هذا الوقت.

في كاسبرسكي، برهن لنا تعاوننا مع المؤسسات التعليمية العالمية أنّ تأهيل الجيل التالي من خبراء الأمن السيبراني لا يتحقق بالاكتفاء بالكتب والمناهج الدراسية وحدها. فعلى مر السنين الماضية، عملنا بشكل وثيق مع الأساتذة، والباحثين، والطلاب. ووجدنا أن المؤسسات التعليمية تحتاج إلى أمور عديدة منها: المناهج الدراسية الملائمة، والخبرات العملية، والتعرف إلى التهديدات السيبرانية الواقعية، والوصول إلى أحدث التقنيات. والأهم من ذلك، تحتاج المؤسسات الدعم لتقليص الفجوة بين المعارف النظرية والتطبيقات العملية، بحيث تتطابق المعارف التي يكتسبها الطلاب في مقاعد الدراسة مع التحديات التي يواجهونها في الواقع.

تشتد تلك الضرورة الملحة نظراً لفجوة المواهب في هذا المجال. فقد كشفت دراسة حديثة لكاسبرسكي أنّ 43% من المؤسسات في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا وتركيا تُعاني نقصاً في كوادر فرق الأمن السيبراني لندرة الكفاءات والخبراء المؤهلين. وعلى الصعيد العالمي، تُقدر فجوة النقص في خبراء الأمن السيبراني بنحو 4 ملايين خبير، ويرجع هذا العجز جزئياً إلى تزايد الطلب على الخبراء في مناطق متعددة منها منطقة الشرق الأوسط وتركيا وإفريقيا. وستتفاقم هذه الفجوة من دون استثمار مستدام في مجال التعليم وتنمية المهارات الضرورية.

لأجل تلك الغاية، تأسست أكاديمية كاسبرسكي وانطلقت كمبادرة عالمية هدفها رفد الجامعات والمؤسسات التعليمية بالأدوات العملية، والرؤى المعمقة المستخلصة من القطاع، والخبرات التقنية. وانطلاقاً من خبرتنا الممتدة لأكثر من عقد في التعاون مع الأوساط والمؤسسات الأكاديمية، نرسخ هذا الالتزام عبر برنامج «تحالف أكاديمية كاسبرسكي»، الذي يساعد الجامعات في إدراج معارف الأمن السيبراني المتقدمة وأحدث التقنيات في مناهجها الأكاديمية.

تتلخص غايتنا وطموحنا بألا يقتصر تخرّج الطلاب من الجامعات على نيلهم الشهادات الجامعية وحدها، بل يجب أن يقترن بامتلاكهم ثقة عالية بالنفس، ومهارات عملية، وقدرة على المساهمة والإنجاز فور انخراطهم في سوق العمل. وفي غضون عامين فقط، انضمت 50 جامعة من 16 دولة إلى «تحالف أكاديمية كاسبرسكي»، مما يشير إلى الأهمية المتزايدة للتعاون الوثيق بين المؤسسات في هذا المجال والقطاع الأكاديمي.

تكتسب تلك المهمة قيمة فريدة في المملكة العربية السعودية، إذ يمضي التحول الرقمي في البلاد بخطى طموحة ومتسارعة، وهو إلى ذلك يطال جميع القطاعات في المجتمع. وتعد المملكة العربية السعودية سوقاً رئيسية لكاسبرسكي في الشرق الأوسط على الأصعدة التجارية، والاستراتيجية، والاجتماعية. ونؤمن حقاً بالأهمية البالغة للشراكة طويلة الأمد ورعاية المواهب في دعم رؤية المملكة لبناء اقتصاد ينهل من المعرفة ويعتمد على الابتكار.

نحن فخورون بالتعاون مع مؤسسات مرموقة مثل أكاديمية طويق وجامعة القصيم. فمن خلال هذه الشراكات نحن نكرس جهودنا لدعم الطلاب في جميع أرجاء المملكة، وتعزيز معارفهم في الأمن السيبراني، وتطوير قدراتهم العملية. فبفضل دمج برامج أكاديمية كاسبرسكي في المسارات الأكاديمية، ينال الطلاب خبرة عملية في مجالات متقدمة مثل: أمن التطبيقات والشبكات، وتحليل البرمجيات الخبيثة، والتحقيق الجنائي الرقمي، فضلاً عن اكتساب خبرات في استخدام المنتجات الأمنية.

يحظى تعليم الأمن السيبراني بأهمية كبيرة في وقتنا الحالي نظراً لتطور العالم الرقمي بسرعة مذهلة. فتتجلى الفرص الواعدة والمخاطر المحتملة في كل ابتكار جديد، بدءاً بمجالات الحوسبة السحابية والمدن الذكية وانتهاء بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والأجهزة المتصلة. وفي الوقت عينه، تزداد الهجمات السيبرانية تطوراً وتعقيداً، فهي توظف النماذج اللغوية الكبيرة والأتمتة والهندسة الاجتماعية لاستغلال الثغرات الأمنية. وفي ظل هذا الوضع، تظل الثقة عاملاً أساسياً لا غنى عنه، فمن دونها لا تزدهر الخدمات الرقمية، وتتعثر مسيرة الابتكار.

يظل التعليم الوسيلة الأمثل والأشد نجاعة لمواجهة تلك التحديات. فعندما نستثمر في برامج الأمن السيبراني ذات الجودة التعليمية العالية، فإننا نستثمر في الأفراد وقدرتهم على حماية البنية التحتية الحيوية، وحماية الشركات وتأمينها، وصون البيانات الشخصية. وتساهم الجامعات بدور محوري باعتبارها مراكزاً للأبحاث والتجريب والإبداع، ونحن على عهدنا بدعم هذه المنظومة المتكاملة عبر تقديم أحدث معلومات استخبارات التهديدات، وتوفير بيئات التدريب العملية والخبرات المشهود لها عالمياً.

لا يرمي تعليم الأمن السيبراني إلى الوقاية من الهجمات فحسب، بل يهدف إلى تمكين الأفراد من الابتكار بثقة، ومساعدة الاقتصادات للنمو بأمان، وضمان أن يظل التحول الرقمي منبعاً للفرص لا مصدراً للمخاطر. ونحن في كاسبرسكي نفخر كثيراً بمساندتنا لشركائنا، وتعاوننا معهم لبناء مستقبل رقمي أكثر أماناً.

محمد هاشم - المدير العام لكاسبرسكي في المملكة العربية السعودية والبحرين



إقرأ المزيد