جريدة الرياض - 3/19/2026 4:14:27 AM - GMT (+2 )
قبل أن يُعلن هلال العيد، تبلغ الأسواق المحلية ذروة نشاطها السنوي، مدفوعةً بموجة إنفاق متسارعة تتصاعد مع دخول العشر الأواخر من شهر رمضان، إذ تتحول مراكز التسوق والمنصات الرقمية إلى خلية حركة لا تهدأ. وفي هذا التوقيت تحديدًا، يتشكل أحد أكبر مواسم الاستهلاك في المملكة، مدعومًا بعادات اجتماعية راسخة واستعدادات مكثفة لاستقبال عيد الفطر، في مشهد اقتصادي يعكس قوة الطلب المحلي ومرونة السوق الاستهلاكية وقدرتها على توليد مليارات الريالات خلال أيام معدودة، ويؤكد في الوقت ذاته حيوية الدورة الاقتصادية المرتبطة بالمواسم الدينية التي باتت تمثل رافدًا مهمًا للنشاط التجاري في مختلف مناطق المملكة.
ورصدت "الرياض" أحدث الإحصائيات الصادرة عن البنك المركزي السعودي (ساما) بشأن عمليات نقاط البيع، إذ سجلت قيمة الإنفاق نحو 16.13 مليار ريال خلال الأسبوع المنتهي في 7 مارس 2026، مقارنة بـ 14.53 مليار ريال في الأسبوع السابق، وبنمو أسبوعي بلغ 11 %، فيما ارتفع عدد العمليات إلى أكثر من 226.2 مليون عملية مقابل 210.5 ملايين عملية، بزيادة نسبتها 7.4 %، في مؤشر يعكس تسارع وتيرة الإنفاق مع اقتراب الأيام الأخيرة من شهر رمضان. وتبرز بيانات الأنشطة قفزة لافتة في قطاع الملابس والأحذية، الذي سجل إنفاقًا تجاوز 2.50 مليار ريال خلال الأسبوع ذاته، محققًا نموًا أسبوعيًا قويًا بلغ نحو 31.7 %، في دلالة واضحة على بدء ذروة الاستعدادات لعيد الفطر، وارتفاع وتيرة شراء المستلزمات المرتبطة بالمناسبة، حيث تتجه الأسر إلى استكمال احتياجاتها في فترة زمنية قصيرة، ما يعزز من حجم الطلب ويرفع من وتيرة النشاط التجاري بشكل ملحوظ.
كما تعكس الأرقام استمرار القطاعات المرتبطة بالاستهلاك اليومي في تحقيق أداء قوي، إذ سجل قطاع الأغذية والمشروبات نحو 2.49 مليار ريال، في حين بلغت مبيعات المطاعم والمقاهي قرابة 1.39 مليار ريال، مدفوعة بارتفاع الإقبال خلال ساعات المساء، خاصة مع ارتباط هذه الفترة بالعادات الرمضانية التي تركز على التجمعات العائلية والاجتماعية. ويُلاحظ أن هذا التوسع في الإنفاق لا يقتصر على الاحتياجات الأساسية، بل يمتد إلى الكماليات والهدايا والعطور، في ظل سلوك استهلاكي يميل إلى التوسع مع اقتراب العيد، ما يعكس تداخل البعد الاجتماعي مع الاقتصادي في هذه الفترة من العام.
وبالتوازي مع الأسواق التقليدية، تشهد التجارة الإلكترونية نموًا متسارعًا خلال العشر الأواخر، إذ أصبحت المنصات الرقمية وتطبيقات التوصيل عنصرًا رئيسًا في حركة الإنفاق، مستفيدة من العروض الترويجية وسرعة التوصيل وتنوع الخيارات، خصوصًا في ساعات الليل التي تشهد ذروة الاستخدام. ويأتي هذا التحول في سياق توسع الاقتصاد الرقمي في المملكة، الذي بلغ نحو 495 مليار ريال، ما يعكس انتقال شريحة واسعة من المستهلكين إلى أنماط شراء أكثر مرونة وسرعة، ويؤكد دور التقنية في إعادة تشكيل السلوك الاستهلاكي وتعزيز كفاءة السوق.
ويُلاحظ أن نمط الإنفاق خلال هذه الفترة يتسم بخصوصية واضحة، إذ يميل كثير من المستهلكين إلى تأجيل الشراء حتى الأيام الأخيرة من رمضان، مدفوعين بعامل الوقت والرغبة في اقتناص أفضل العروض، إلى جانب التأثير العاطفي المرتبط بموسم العيد. ويؤدي هذا السلوك إلى ارتفاع متوسط قيمة السلة الشرائية، إذ يتم شراء احتياجات متعددة في وقت واحد، ما يخلق ضغطًا على الأسواق ويزيد من حجم السيولة المتداولة خلال فترة زمنية قصيرة، في مشهد يتكرر سنويًا لكنه يحمل في كل مرة مؤشرات اقتصادية لافتة.
وشدد خبراء اقتصاديون لـ"الرياض" على أن العشر الأواخر من رمضان تمثل ذروة النشاط الاستهلاكي في المملكة، مؤكدين أن هذا الزخم يعكس قوة السوق المحلية وارتفاع مستويات السيولة، إلى جانب ارتباط الإنفاق بعوامل اجتماعية وثقافية متجذرة. وقال العقاري حسين النمر: "إن ارتفاع الإنفاق خلال هذه الفترة لا يقتصر على القطاعات الاستهلاكية المباشرة، بل يمتد تأثيره إلى قطاعات أخرى مثل العقار والخدمات، حيث تنشط الحركة التجارية بشكل عام، ويظهر ذلك في زيادة الإقبال على الشراء والاستثمار المرتبط بالمواسم".
وأبان رجل الأعمال حسين المعلم بأن الأسواق تشهد خلال الأيام الأخيرة من رمضان نشاطًا غير مسبوق، خصوصًا في قطاعات الملابس والمطاعم، مشيرًا إلى أن العروض الترويجية والتنافس بين التجار يسهمان في رفع حجم المبيعات، مضيفًا "ورغم هذا النشاط الاقتصادي الملحوظ، إلا أن التوازن في الإنفاق يظل أمرًا ضروريًا لتفادي المبالغة في الاستهلاك، خصوصًا في ظل تنوع الخيارات والعروض التي قد تدفع البعض إلى الشراء فوق الحاجة".
وقال رجل الأعمال محمد الحماد: "إن العاصمة الرياض تشهد نشاطًا اقتصاديًا مكثفًا خلال هذه الفترة، حيث تتضاعف الحركة التجارية في الأسواق والمراكز التجارية والمنصات الرقمية، في انعكاس مباشر لحيوية الاقتصاد الوطني وتسارع وتيرة النمو المرتبطة بمستهدفات رؤية المملكة 2030. كما أن الثقة المتزايدة لدى المستهلكين في التعاملات الإلكترونية تعكس مستوى الأمان العالي الذي وصلت إليه المملكة، بفضل الجهود الكبيرة في تعزيز منظومة الأمن السيبراني، ما أسهم في خلق بيئة رقمية موثوقة تدعم حركة الشراء وتمنح المستهلكين الطمأنينة أثناء إتمام عملياتهم التجارية".
يشار إلى أن هذا النشاط الاقتصادي الملحوظ، على الرغم من إيجابيته في تحفيز الأسواق، يدفع مختصين إلى التحذير من تصاعد الإنفاق الاستهلاكي عالي المخاطر، خاصة عبر بطاقات الائتمان والشراء فوق معدل الحاجة، إذ قد يقود ذلك إلى ضغوط مالية على الأسر ويُسهم في نشوء عجز يصعب تعويضه لاحقًا، في ظل التوسع في خيارات الدفع الآجل وتزايد الإغراءات الشرائية خلال هذه الفترة، ما يبرز أهمية تحقيق التوازن بين الاستهلاك والادخار لضمان استدامة الاستقرار المالي للأسر بعد انتهاء الموسم.
إقرأ المزيد


