أسواق رأس المال في المملكة تمر بتغيير هيكلي يتماشى مع أهداف التنويع والتكامل العالمي لـ "رؤية 2030"
جريدة الرياض -

أكد جان بول زاميت، رئيس "بلومبرغ إل بي"، أن أسواق رأس المال في المملكة العربية السعودية تشهد مرحلة تحول تاريخية، مشيداً بالإصلاحات التنظيمية التي أعلنت عنها هيئة السوق المالية والتي تفتح الباب أمام جميع فئات المستثمرين الأجانب دون قيود مسبقة اعتباراً من فبراير 2026. وأشار زاميت إلى أن المملكة أصبحت من بين أكبر جهات إصدار الديون في الأسواق الناشئة، مما يعكس الثقة العالمية في وتيرة تنفيذ مشاريع الرؤية. كما أوضح أن التوجه نحو الذكاء الاصطناعي في القطاع المالي السعودي يتم بنهج مدروس يوازن بين الابتكار والمسؤولية، مؤكداً أن الشفافية وجودة البيانات هما المصدر الحقيقي للقيمة وجذب الاستثمارات طويلة الأمد. وتالياً نص الحوار:

**-ما هي أبرز التغيرات التي تشهدها أسواق المال سريعة النمو في المملكة العربية السعودية خلال السنوات الأخيرة، وكيف تساهم هذه التحولات في تحقيق أهداف رؤية 2030؟***

تمر أسواق رأس المال في المملكة العربية السعودية بفترة تشهد تغييراً هيكلياً يتماشى بشكل وثيق مع أهداف التنويع والتكامل العالمي المنصوص عليها في رؤية 2030. وتشمل التطورات الرئيسية في هذا السياق الإصلاحات الأخيرة التي أعلنت عنها هيئة السوق المالية، والتي تسمح لجميع فئات المستثمرين الأجانب بالوصول إلى سوق الأسهم السعودية من دون متطلبات التأهيل المسبق اعتباراً من 1 فبراير 2026. ويمثل إلغاء نظام المستثمر الأجنبي المؤهل إشارة واضحة إلى النوايا، فهو يخفف من حواجز دخول السوق، ويوسع نطاق المشاركة الدولية، ويعزز مكانة "تداول" كسوق ذات أهمية عالمية.

بالنسبة إلى الديون، تواصل المملكة العربية السعودية بناء أسواق سندات الشركات والصكوك المحلية باعتبارها قناة تمويل بديلة. وقد كانت المملكة من بين أكبر الجهات المصدرة في الأسواق الناشئة، حيث شهدت أسواق الدَين توسعاً كبيراً مع سعي الحكومات والشركات المصدرة إلى الاستفادة من رأس المال لتمويل مشاريع البنية الأساسية والتنويع، وهو اتجاه تعززه أولويات رؤية 2030. مع استمرار نضوج هذه الأسواق، سيكون إحراز التقدم في سيولة السوق الثانوية والشفافية وسهولة الوصول عوامل حاسمة للحفاظ على الثقة وتعزيز المشاركة.

وعلى نطاق أوسع، يعمل برنامج تطوير القطاع المالي على تعزيز البنية الأساسية للسوق، وتشجيع الابتكار في مجال التكنولوجيا المالية، وتوسيع نطاق الخدمات المالية. وبالتوازي مع الإصلاحات التنظيمية، من شأن هذا أن يُهيِّئ الظروف لاعتماد مسؤول للتكنولوجيا المتقدمة، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، حيث ينصب التركيز بشكل متزايد على التسليم، والتوسع، وتحقيق نتائج قابلة للقياس. وتشكل هذه التطورات معاً قاعدة صلبة لأسواق رأس المال في المملكة العربية السعودية من شأنها أن تعزز قدرتها على الصمود على المدى الطويل وتدعم اندماجها في الأسواق العالمية.

-وضعت المملكة العربية السعودية الذكاء الاصطناعي في صميم رؤية 2030. كيف تقيمون التقدم الذي أحرزته المملكة في اعتماد الذكاء الاصطناعي، ولاسيما في قطاع الخدمات المالية، وما هي الأمور الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة؟

أصبحت البنوك والمؤسسات المالية تستخدم الذكاء الاصطناعي في مجالات مثل مكافحة الاحتيال وخدمة العملاء ورصد المخاطر وتعزيز الكفاءة التشغيلية. وهذه نقاط انطلاق معقولة في قطاع خاضع لهذا المستوى من التنظيم، حيث تتمتع الثقة والأمن والاستقرار بأهمية لا تقل عن أهمية الابتكار. فبدلاً من الاندفاع نحو اتخاذ القرارات المؤتمتة بالكامل، انتهجت المملكة نهجاً مدروساً يوازن بين الابتكار والمسؤولية.

ومع اتساع نطاق اعتماد الذكاء الاصطناعي، تصبح اعتبارات البنية الأساسية ذات أهمية متزايدة؛ فالنمو في الخدمات القائمة على البيانات يفرض طلباً متزايداً على مراكز البيانات، وإمدادات الكهرباء، ومرونة الشبكة. ويشكل ضمان إمكانية توسيع قدرات الحوسبة بكفاءة، بدعم من أنظمة طاقة موثوقة وإدارة ذكية للطلب، أهمية بالغة للحفاظ على الزخم والحفاظ على استقرار النظام في الوقت نفسه.

سيكون الحجم والاتساق الأكثر أهمية في المرحلة التالية. وهذا يعني تعزيز جودة البيانات، ومواصلة بناء المهارات المحلية، وضمان شفافية أنظمة الذكاء الاصطناعي وخضوعها للمساءلة. يتمحور اعتماد الذكاء الاصطناعي حول الناس، والحوكمة، والثقة في النظام. وإذا ما استمرت هذه العناصر في التطور بشكل متوازٍ، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم بدور مهم في بناء قطاع مالي أكثر كفاءة ومرونة وقدرة على المنافسة عالمياً، بما يتماشى مع الأهداف طويلة المدى لرؤية 2030.

-مع تعمق أسواق رأس المال السعودية وتطورها، ما مدى أهمية الشفافية والبيانات العالية الجودة والتحليلات في جذب المستثمرين المحليين والدوليين؟

ينطبق هذا بالقدر نفسه على المؤسسات المحلية والمستثمرين الدوليين. فالمعايير الصارمة للإفصاح والتقارير الموثوقة تؤدي إلى تعزيز القدرة على التنبؤ ودعم السيولة، ولاسيما من المستثمرين على المدى الطويل، مثل صناديق الثروة السيادية وصناديق التقاعد وشركات التأمين.

ومع ازدياد تعقيد الأسواق، يتوسع الدور الذي تضطلع به التحليلات. المسألة الجوهرية ليست في حجم المعلومات المتاحة، بل في موثوقيتها ووضوحها واتساقها عبر الأدوات المالية والمشاركين في السوق. ويتعين على المستثمرين فهم كيفية تشكيل الأسعار وكيفية قياس المخاطر.

ويكتسب هذا أهمية خاصة مع توسيع الأسواق السعودية لقدرتها على الوصول إلى أدوات مثل صناديق المؤشرات المتداولة للأسهم، وصناديق الاستثمار العقاري، والصكوك، حيث تعتمد هذه المنتجات على تسعير موثوق ومؤشرات معيارية ومقاييس دقيقة للمخاطر كي تندمج في المحافظ الاستثمارية العالمية. وفي الأسواق التي تحدد فيها سرعة المعلومات وموثوقيتها الميزة التنافسية، تصبح الشفافية نفسها مصدراً للقيمة.

-ما هو الدور الذي يضطلع به مزودو البيانات المالية مثل بلومبرغ في دعم الهيئات التنظيمية والمؤسسات المالية والمستثمرين في الوقت الذي تواصل فيه المملكة العربية السعودية تحديث أسواقها المالية؟

تعتمد بلومبرغ نهجاً قائماً على الشفافية والمساءلة في التعامل مع الذكاء الاصطناعي. يمثل كل من الإسناد، وقابلية التفسير، والحوكمة عناصر أساسية في بناء أنظمة ذكاء اصطناعي تُمكِّن المستخدمين من فهم كيفية توليد المخرجات، وتتبعها إلى البيانات الأساسية، والتحقق من النتائج، ما يحقق فوائد إنتاجية ملموسة في مجالات مثل البحث، والامتثال، وإدارة المخاطر.

تتجاوز التزاماتنا تجاه المملكة العربية السعودية حدود التكنولوجيا، إذ تتمتع بلومبرغ بحضور راسخ في المملكة، وتواصل الاستثمار في تنمية القدرات المحلية. وتأتي شراكتنا مع الأكاديمية المالية السعودية مثالاً على ذلك، إذ ندعم تطوير المهارات من خلال التدريب العملي، وإتاحة الوصول إلى بيانات الأسواق العالمية، والتعرف على أفضل الممارسات الدولية. تدعم هذه المبادرة تطوير الخبرات المحلية، كما تساعد على ضمان جاهزية المشاركين في السوق للعمل بكفاءة في بيئة مالية معقدة تعتمد على البيانات بشكل متزايد.

-كيف ترون تطور اهتمام المستثمرين العالميين بالمملكة العربية السعودية على مدى السنوات القليلة المقبلة، وما هي العوامل الأكثر أهمية في دعم تدفق رؤوس الأموال إلى المملكة على المدى الطويل؟

تعتمد استدامة تدفق رؤوس الأموال على عدة عوامل. لا شك في أن الاستقرار التنظيمي والشفافية ما زالا يشكلان عنصرين أساسيين، فالحماية الواضحة للمستثمرين، والتنفيذ المتسق، والمواءمة مع المعايير الدولية، من شأنها أن تعزز الثقة عبر دورات السوق. كما أن لسيولة السوق والبنية التحتية أهمية كبيرة، إذ يساهم تنوع الأدوات القابلة للاستثمار وإتاحة الوصول المفتوح في تعزيز المشاركة وعمق السوق. كما تؤثر البيانات العالية الجودة، والحوكمة القوية، والاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي، على قرارات المحافظ الاستثمارية العالمية بشكل متزايد.

وتبقى أساسيات الاقتصاد الكلي في مركز الاهتمام، إذ إن الانضباط المالي، ومصداقية السياسات، والبيئة الإقليمية، من شأنها أن تشكل العائدات المعدلة حسب المخاطر. وإذا ما استمرت هذه الظروف وتعمقت، فإن المملكة العربية السعودية مؤهلة لتعزيز دورها كوجهة رئيسية لرؤوس الأموال العالمية المتنوعة.



إقرأ المزيد