وكالة أخبار ليبيا - 8/21/2026 1:11:36 AM - GMT (+2 )
عادت الأزمة الليبية إلى واجهة مجلس الأمن الدولي بإحاطة جديدة للممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيتيه، في وقت تدخل فيه العملية السياسية مرحلة أكثر تعقيدًا، وسط تساؤلات متزايدة بشأن قدرة المسار الأممي على الانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجة جذوره، وإنهاء حالة الجمود التي حالت دون توحيد المؤسسات والوصول إلى انتخابات وطنية شاملة.
وتأتي الإحاطة في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي، وتعدد المبادرات المحلية والدولية، بالتزامن مع أزمات أمنية ومعيشية تضغط على الشارع الليبي، من أزمة الكهرباء والوقود إلى هشاشة الوضع الأمني وملفات حقوق الإنسان والهجرة.
وأكدت هانا تيتيه أمام مجلس الأمن أن دفع العملية السياسية في ليبيا إلى الأمام لا يزال أمرًا بالغ الأهمية، مشددة على أن البلاد تمر بمرحلة حاسمة تتطلب تعزيز المؤسسات الموحدة وتهيئة الظروف اللازمة لإجراء انتخابات وطنية شاملة.
وأقرت المبعوثة الأممية بأن تنفيذ خارطة الطريق قد يستغرق وقتًا أطول مما كان متصورًا في البداية، لكنها اعتبرت أن تمديد المسار لا يعني فقدان الاتجاه، وإنما يعكس محاولة للتكيف مع الواقع السياسي ومواقف الأطراف الليبية والشركاء الدوليين.
وتضع هذه التصريحات المسار الأممي أمام معادلة صعبة؛ فإطالة المراحل الانتقالية تعني استمرار الوضع القائم، بينما يظل الدفع نحو انتخابات سريعة محفوفًا بعقبات تتعلق بالقواعد الدستورية والقانونية وتوحيد المؤسسات والضمانات الأمنية والسياسية.
«4+4» أمام اختبار النتائجوتتزامن الإحاطة مع اقتراب المجموعة المصغرة المعروفة بـ«4+4» من استكمال أعمالها، بعدما جاءت هذه الآلية في ظل تعثر مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة في التوصل إلى تفاهمات بشأن إعادة تشكيل المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، إلى جانب الإطارين الدستوري والقانوني المنظمين للاستحقاق الانتخابي.
وبحسب تيتيه، تدرس البعثة الأممية أفضل السبل للانتقال إلى المحطة التالية من خارطة الطريق، والتي تركز على الدفع باتجاه توحيد الحكومة والمؤسسات القادرة على قيادة البلاد نحو الانتخابات.
لكن المرحلة المقبلة تضع «4+4» أمام اختبار حقيقي، إذ لم يعد المطلوب مجرد إنتاج تفاهمات أو عقد اجتماعات، وإنما تحويل ما تم التوصل إليه إلى ترتيبات سياسية ومؤسسية قابلة للتنفيذ.
وانطلق اليوم الاجتماع الثامن للمجموعة المصغرة 4+4 في تونس، ويبقى السؤال الأبرز: هل تنجح البعثة في نقل المسار من طاولة الحوار إلى خطوات عملية، أم ينضم مسار «4+4» إلى سلسلة المبادرات التي انتهت عند حدود التوصيات؟
حنين بوشوشة: المطلوب معالجة جذور الانقسامومن جهتها رأت عضو الحوار المهيكل ولجنة المصالحة وحقوق الإنسان، حنين بوشوشة، أن أهمية إحاطة تيتيه تكمن في إعادة التأكيد على مخرجات الحوار المهيكل ومسار «4+4»، وضرورة الانتقال من إدارة الانقسام إلى معالجة أسبابه.
وقالت بوشوشة إن الاختبار الحقيقي يتمثل في قدرة هذه المخرجات على إنتاج مسار سياسي قابل للتنفيذ يقود إلى إنهاء ازدواجية السلطة وتوحيد مؤسسات الدولة، بدلًا من تحولها إلى توصيات جديدة تضاف إلى سلسلة المبادرات السابقة.
وأضافت بوشوشة، أن المرحلة المقبلة يجب أن تركز على تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وتهيئة الظروف السياسية والقانونية لإجراء انتخابات وطنية.
بوشوشة: الانتخابات ليست مجرد شعاروشددت بوشوشة على أن الانتخابات لا يمكن أن تكون مجرد شعار سياسي، معتبرة أنها تحتاج إلى قواعد دستورية وقانونية متوافق عليها، ومؤسسات موحدة، وضمانات أمنية وسياسية تسمح لجميع الأطراف بقبول نتائجها.
وأكدت بوشوشة، أن إنهاء الأزمة الليبية لا يمكن اختزاله في تنظيم الانتخابات وحدها، مشيرة إلى أن العدالة والإصلاح والمصالحة وسيادة القانون تمثل مكونات أساسية لأي عملية حقيقية لبناء الدولة.
ودعت بوشوشة، إلى تحويل مخرجات مؤتمر العدالة والإصلاح إلى سياسات وتشريعات وآليات تنفيذ واضحة، بما يضمن الانتقال من توصيف المشكلات إلى معالجتها بشكل مؤسسي.
حقوق الإنسان.. ملف يضغط على المسار السياسيوتطرقت بوشوشة كذلك إلى ملف حقوق الإنسان وحماية النساء، معتبرة أن واقعة جلد امرأة في سبها، رغم أهمية الاستجابة السريعة من السلطات، تكشف الحاجة إلى منظومة مؤسسية وتشريعية أكثر قوة لحماية النساء ومساءلة مرتكبي الانتهاكات.
ودعت إلى الإسراع في اعتماد قانون متكامل لحماية المرأة من العنف، وإنشاء آليات وطنية فعالة للحماية والاستجابة.
وترى بوشوشة أن نجاح المسار الذي تقوده تيتيه لا ينبغي أن يقاس بعدد الاجتماعات والبيانات، وإنما بقدرته على تحويل مخرجات الحوار والعدالة والإصلاح إلى خطوات سياسية وتشريعية ومؤسسية تقود إلى حكومة موحدة ومؤسسات موحدة وانتخابات قابلة للتنفيذ.
الكهرباء.. أزمة خدمات تكشف أزمة الدولةلم تغب الأزمة المعيشية عن إحاطة تيتيه، خصوصًا أزمة الكهرباء التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى أحد أبرز مصادر الغضب الشعبي.
وأشارت تيتيه إلى أن الانقطاعات واسعة النطاق كشفت، في جانب منها، تداعيات التشرذم المؤسسي وتحويل الموارد العامة ونقص الاستثمار وغياب التنسيق في عملية صنع القرار.
وبحسب ما أوردته في إحاطتها، يتم إنفاق ما يقرب من مليار دولار شهريًا على استيراد الوقود، وفق بيانات المؤسسة الوطنية للنفط، في وقت لا تزال فيه منظومة الكهرباء تعاني نقص الوقود.
كما أشارت إلى أن أزمة الكهرباء ساهمت في اندلاع احتجاجات متفرقة في غرب ليبيا، بالتزامن مع حملة عصيان مدني بين 26 و29 يوليو.
ودعت جميع الأطراف والمؤسسات الليبية إلى تحمل مسؤولياتها في دعم مصرف ليبيا المركزي ومحافظه أثناء ممارسة مهامهما.
وتكشف أزمة الكهرباء عن مفارقة واضحة في المشهد الليبي؛ فبلد يمتلك احتياطيات نفطية كبيرة وثروات قادرة على تمويل الخدمات العامة، لا يزال يعاني من انقطاع الكهرباء وتراجع الخدمات الأساسية، في ظل استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي.
صبري المبروك: الأمن هو الحلقة المفقودةمن جانبه، يقدم عضو الحوار المهيكل صبري المبروك قراءة أكثر تشككًا في قدرة الإحاطة الأممية على إحداث تغيير فعلي.
وقال المبروك إن البعثة الأممية لا تزال، من وجهة نظره، تتحرك ضمن مسارات سبق طرحها، معتبرًا أن الإحاطة لم تقدم جديدًا جوهريًا، وأن لجنة «4+4» لم تنتج نتائج ملموسة حتى الآن.
وأشار إلى أن البعثة تتابع في الوقت ذاته التطورات المرتبطة بالمبادرة التي أعلن عنها المبعوث الأميركي مسعد بولس، إلى جانب التحركات التي قامت بها المجالس الثلاثة، المجلس الرئاسي ومجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، بشأن وضع خارطة طريق تقود إلى الانتخابات.
واعتبر المبروك أن عدم إعطاء هذه التحركات دفعة كافية يثير تساؤلات حول اتجاه المسار الأممي خلال المرحلة المقبلة.
المبروك: لا استقرار سياسي دون حل أمنيويربط المبروك بين الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والملف الأمني، معتبرًا أن معالجة الأزمات الخدمية والاقتصادية لا يمكن أن تنجح من دون معالجة الوضع الأمني.
وأشار إلى انتشار الجماعات المسلحة وتدفق السلاح وتداخل المصالح المحلية والخارجية، معتبرًا أن جوهر الأزمة الليبية لا يزال مرتبطًا بالصراع على السلطة بين أطراف تمتلك أدوات سياسية وعسكرية وتحظى بدرجات متفاوتة من الدعم الخارجي.
وبحسب رؤيته، فإن أي معالجة للأزمة تحتاج إلى مقاربة تبدأ من الأمن باعتباره شرطًا للاستقرار السياسي والاقتصادي، وليس ملفًا منفصلًا عن بقية الملفات.
الجنوب الليبي.. شريك لا هامشوفي موازاة الملفات السياسية والأمنية، يبرز ملف تمثيل المناطق والمكونات، خصوصًا الجنوب الليبي، باعتباره أحد الملفات التي يرى ممثلو المنطقة أنها لم تحظ بالاهتمام الكافي في المسار السياسي.
وقالت عضو الحوار المهيكل حواء زايد إن الجنوب لا ينبغي أن يكون خارج خارطة الطريق، معتبرة أن الحديث عن توحيد الحكومة والمؤسسات الوطنية لا يكتمل في ظل شعور جزء أساسي من البلاد بالتهميش وعدم المشاركة الفعلية في صنع القرار.
وأوضحت أن الجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية، وإنما مكون أساسي من مكونات الدولة، وله قضايا سياسية وأمنية واقتصادية وإنسانية وتنموية متراكمة.
وأشارت إلى معاناة المنطقة لسنوات من ضعف التمثيل السياسي وعدم عدالة توزيع الخدمات والتنمية وتراجع البنية التحتية، إلى جانب تحديات أمنية واقتصادية وإنسانية.
وأكدت أن العدالة في توزيع الموارد والخدمات والفرص السياسية يجب ألا تبقى مجرد توصية، وإنما تتحول إلى جزء أساسي من أي ترتيبات سياسية مقبلة.
وترى زايد أن الانتخابات وحدها لن تكون كافية لإنهاء الأزمة إذا لم يشعر الليبيون في الجنوب والشرق والغرب بأنهم شركاء متساوون في الدولة، وأن مصالحهم وحقوقهم حاضرة في عملية صنع القرار.
الساحل الغربي.. هشاشة أمنية مستمرةعلى المستوى الأمني، حذرت تيتيه من استمرار هشاشة الوضع على طول الساحل الغربي لليبيا، في ظل تنافس جهات مسلحة ضالعة في أنشطة غير مشروعة، من بينها الاتجار بالمخدرات والبشر وتهريب الوقود.
وأشارت إلى الاتفاق الخاص بالترتيبات الأمنية في طرابلس، معتبرة أنه يمكن أن يسهم في تخفيف التوتر وفتح المجال أمام مقاربة أكثر شمولًا للملف الأمني.
وفي بنغازي، توقفت تيتيه عند اغتيال مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في الجيش الوطني الليبي، اللواء فوزي المنصوري، في العاشر من أغسطس، معتبرة أن استمرار أعمال العنف يؤكد الحاجة إلى الحفاظ على المؤسسات الأمنية الوطنية.
خطاب الكراهية وملف المهاجرينوفي ملف حقوق الإنسان، أعربت المبعوثة الأممية عن قلقها من تصاعد خطاب الكراهية والترهيب والمعلومات المضللة التي تستهدف النساء، كما توقفت عند واقعة جلد امرأة علنًا في سبها.
وحذرت كذلك من استمرار الخطابات المناهضة للمهاجرين والمعلومات المضللة، معتبرة أنها تزيد من معاناة الفئات الأكثر ضعفًا وتعرقل الاستجابة الإنسانية.
وتضع هذه الملفات المسار السياسي أمام مسؤولية أوسع من مجرد تنظيم الانتخابات، إذ ترتبط شرعية أي تسوية مستقبلية بقدرتها على بناء مؤسسات تحمي الحقوق وتفرض سيادة القانون وتضمن مشاركة مختلف المكونات.
يوسف الفارسي: تعدد المبادرات قد يطيل الأزمةوفي ظل تعدد المبادرات الدولية والمحلية، يرى رئيس حزب ليبيا الكرامة وأستاذ العلوم السياسية الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن المرحلة تتطلب تنظيم الجهود وتنسيقها حتى لا تتحول المبادرات المتوازية إلى عوامل إضافية لإطالة الأزمة.
وقال الفارسي إن إنهاء الانقسام يحتاج إلى إرادة سياسية حقيقية، إلى جانب توافر مصالح حيوية تدفع الإدارة الأميركية إلى التدخل بصورة أكثر فاعلية في تسوية الأزمة.
واعتبر الفارسي، أن التفاهم بين المبعوث الأميركي مسعد بولس والبعثة الأممية يمثل خطوة متقدمة لدعم المسار السياسي، خصوصًا فيما يتعلق بمخرجات «الطاولة المصغرة» ومراجعة التشريعات المنظمة للعملية الانتخابية.
وأشار الفارسي، إلى أن تحركات بولس، التي اتسمت في مراحلها الأولى بقدر من الاستقلالية عن البعثة الأممية، أصبحت أكثر انسجامًا معها نتيجة تقاطع الأهداف والمصالح بشأن دفع العملية السياسية.
توحيد الجيش والميزانية.. مفاتيح التسويةوأوضح الفارسي أن المبادرة الأميركية ركزت في مراحلها الأولى على ملفات من بينها إعادة هيكلة وتوحيد المؤسسة العسكرية وإقرار ميزانية عامة موحدة، باعتبارها ركائز أساسية لتهيئة المناخ السياسي والأمني الملائم للتداول السلمي للسلطة.
ورأى الفارسي، أن الضغوط الدولية الحالية قد توفر أرضية أكثر ملاءمة لدفع الفرقاء الليبيين نحو التوافق، خصوصًا مع تراجع عدد من العراقيل التي حالت دون الوصول إلى تسوية شاملة.
من إدارة الأزمة إلى إنهائهاتكشف إحاطة هانا تيتيه وما رافقها من مواقف وتحليلات أن الأزمة الليبية تقف أمام اختبار مختلف؛ فالمشكلة لم تعد في غياب المبادرات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى نتائج ملموسة.
فخارطة الطريق تواجه تحديات تتعلق بتوحيد السلطة التنفيذية، ووضع قاعدة دستورية وقانونية للانتخابات، وتوحيد المؤسسات، ومعالجة الملف الأمني، وضمان توزيع أكثر عدالة للموارد، إلى جانب معالجة ملفات العدالة وحقوق الإنسان والمصالحة.
وبينما تؤكد الأمم المتحدة أهمية استمرار المسار السياسي، يظل السؤال الأهم هو: هل تستطيع المرحلة المقبلة إنتاج تسوية تنقل ليبيا من مرحلة إدارة الانقسام إلى مرحلة بناء الدولة؟
فالانتخابات قد تكون محطة أساسية، لكنها لن تكون نهاية الأزمة ما لم تسبقها ترتيبات سياسية وأمنية ومؤسسية تضمن قبول نتائجها، وتفتح الطريق أمام انتقال حقيقي ومستدام للسلطة.
إقرأ المزيد


