الوقود في ليبيا.. كيف تعمل منظومة التوزيع خلف المشهد؟
عين ليبيا -

تطل تحديات توزيع الوقود في ليبيا برأسها بين الحين والآخر، متخذة أشكالاً ودرجات حدة تختلف باختلاف المرحلة، لتضع قدرة شبكة الإمداد الوطنية تحت الاختبار المباشر، خصوصًا في أوقات الذروة واشتداد الخناق على محطات التعبئة. فالاستقرار الحقيقي لسوق المشتقات النفطية لا يتحقق بمجرد توفر الشحنات في الموانئ أو الخزانات الرئيسية، بل يحكمه مدى تماسك وسلاسة الحلقة التشغيلية الممتدة من مرافق التخزين وسلاسل الإمداد، وصولاً إلى مضخات التوزيع في أقصى المدن والمناطق.

تحديات تتجاوز حجم الإمدادات

تكتسح منظومة التوزيع جملة من الاختلالات الميدانية المفروضة بطبيعة السوق والجغرافيا الليبية المترامية، إلى جانب القفزات المفاجئة في مستويات الاستهلاك، وما يعنيه ذلك من أعباء لوجستية ثقيلة لنقل شحنات المحروقات عبر مسافات هائلة. وفي الوقت نفسه، يلقي نزيف التهريب بظلاله الثقيلة على كفاءة السوق، وهو ما يجعل من شد الحبل الرقابي محوراً مفصلياً في أي مسعى لتنظيم القطاع. وعليه، فإن العبور بالمرحلة لا يتوقف عند ضخ المزيد من الكميات، بقدر ما يستلزم تطوير أساليب الإدارة والميدان، وترسيم قدرة شركات التوزيع على المناورة والاستجابة للمتغيرات.

الاختبار الميداني ورصيد الجاهزية

تأتي فترات الضغط الشديد لترسم الحجم الحقيقي للجاهزية التشغيلية؛ حيث تصنع السرعة في التحرك، وحسن توجيه الموارد، والانضباط اليومي في العمليات الفرق الفاصل بين انسياب الوقود أو اختناق الشوارع.

وخلال أزمة التوزيع التي خيمت على البلاد في مايو الماضي، برز أداء «شركة ليبيا للنفط المشتركة» بتسجيلها أعلى معدل توزيع بين كافة الشركات، بعدما رفعت معدلات الضخ إلى مستويات قياسية تجاوزت المخصصات الرسمية وفق خطة طوارئ عمل عليها وتابعها مجلس الإدارة برئاسة خليفة الشيباني بالتكامل مع جهود الإدارة التنفيذية، مما أسهم بشكل مباشر في امتصاص موجة الطلب العالية وتخفيف الضغط عن المحطات.

وتكشف هذه المحطة عن امتلاك القطاع لطاقات تشغيلية يمكن البناء عليها، من خلال شركات تجمع بين القدرات التشغيلية والخبرة الميدانية للتعامل مع المتغيرات والضغوط. غير أن الاستفادة من هذه الطاقات تتطلب تعزيز التنسيق بين أطراف المنظومة لرفع كفاءة التوزيع وتحصين سلاسل توريد الوقود.

تطوير المنظومة من داخل الميدان

إن إعادة الانضباط لسوق الوقود تتطلب التحرك عبر خطوط متوازية: تحديث البنية التحتية لمراكز التجميع والتوزيع، ورفع جاهزية أساطيل النقل ومعدات الدعم اللوجستي، وإعادة هيكلة توزيع الحصص بما يضمن تشغيل كافة الطاقات المتاحة بأقصى كفاءة. في هذا السياق، يبرز مقترح المداورة التشغيلية بين شركات التوزيع كخيار عملي يتيح استغلال الإمكانيات الكامنة في السوق بشكل أكثر عدالة وفاعلية، وهو التوجه الذي دعت إليه «شركة ليبيا للنفط المشتركة» ضمن رؤيتها لمعالجة الاختناقات الحالية. وفي النهاية، يظل حماية استقرار السوق مسؤولية تتوزع بين المؤسسة الوطنية للنفط، وشركات التوزيع، والأجهزة الأمنية والرقابية، إلى جانب ضرورة التمويل المستمر لرفع القدرات التشغيلية الميدانية.

مرونة المنظومة تبدأ من بناء القدرات

تثبت الوقائع الميدانية أن تأمين الوقود للمواطن لا ينحصر في جانب واحد، بل هو نتاج منظومة متكاملة تسري من الموانئ والخزانات لتصل إلى إدارة النقل والتوزيع بصرامة عالية. من هنا، تظل جاهزية الشركات العاملة وتطوير بنيتها الميدانية الركيزة الأساسية لخلق سوق أكثر مرونة، قادرة على استيعاب تقلبات الطلب وضمان التدفق المنتظم للوقود تحت مختلف الظروف.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.



إقرأ المزيد