ليبيا بين الثروة والمخاطر الاقتصادية.. هل آن أوان الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنقاذ الدولة؟
عين ليبيا -

لم يكن ما نشرته صحيفة الإندبندنت عن الواقع الاقتصادي الليبي حدثًا معزولًا، بل جاء امتدادًا لتحذيرات متكررة وردت في تقارير المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، التي تؤكد أن ليبيا، رغم امتلاكها موارد نفطية ضخمة واحتياطيات نقدية كبيرة، تواجه تحديات اقتصادية وهيكلية متزايدة تهدد قدرتها على تحقيق التنمية والاستقرار.

ورغم اختلاف التقديرات حول معدلات الفقر أو البطالة أو حجم الخسائر، فإن معظم الخبراء الاقتصاديين يتفقون على حقيقة أساسية، وهي أن الأزمة الليبية لم تعد أزمة نقص في الموارد، وإنما أزمة إدارة وسياسات ومؤسسات.

لقد استطاعت ليبيا، بفضل عائداتها النفطية، الحفاظ على احتياطيات نقدية وفرت لها هامشًا من الحماية خلال السنوات الماضية، إلا أن هذه الاحتياطيات ليست ضمانة دائمة. فالاقتصاد لا يقاس بحجم الأموال المودعة في الاحتياطي فقط، وإنما بقدرته على خلق فرص العمل، وتحسين الخدمات، وتحقيق النمو، وجذب الاستثمار، وتنويع مصادر الدخل.

وتحذر العديد من الدراسات الاقتصادية من أن استمرار الاعتماد شبه الكامل على النفط، إلى جانب تضخم الإنفاق العام، وارتفاع فاتورة المرتبات والدعم، وضعف الاستثمار في البنية التحتية، سيؤدي إلى زيادة هشاشة الاقتصاد الليبي أمام أي صدمة خارجية أو داخلية، سواء كانت مرتبطة بأسعار النفط أو بالإنتاج أو بالاستقرار السياسي.

ويجمع خبراء الاقتصاد على أن أخطر ما تواجهه ليبيا اليوم ليس انخفاض الإيرادات، وإنما غياب استراتيجية اقتصادية وطنية. فلا توجد حتى الآن رؤية واضحة لإعادة هيكلة الاقتصاد، أو تنويع مصادر الدخل، أو إصلاح قطاع الكهرباء، أو تطوير الصناعة والزراعة، أو تحفيز القطاع الخاص، أو معالجة التشوهات المالية والإدارية التي تراكمت خلال سنوات الانقسام.

كما أن استمرار الانقسام السياسي انعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد، حيث أصبحت القرارات الاقتصادية رهينة للتجاذبات السياسية، بينما تراجعت أولويات التنمية أمام الإنفاق الاستهلاكي وإدارة الأزمات اليومية.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل دخل الاقتصاد الليبي مرحلة الخطر؟

الإجابة ليست أن الاقتصاد انهار، لكنه يواجه مخاطر متزايدة إذا استمر غياب الإصلاحات. فالإنفاق يتوسع بوتيرة أسرع من الإصلاح، والبنية التحتية تتآكل، والخدمات الأساسية تتراجع، والاقتصاد المنتج ما زال غائبًا، في حين يظل النفط المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة.

والأكثر خطورة أن المعالجات التي اتبعت خلال السنوات الماضية كانت في معظمها حلولًا مؤقتة، هدفت إلى احتواء الأزمة أكثر من معالجتها. وقد أثبتت التجربة أن الحلول المرحلية، سواء في السياسة أو الاقتصاد، لم تؤد إلى إنهاء الأزمة، بل ساهمت في ترحيلها من مرحلة إلى أخرى، حتى أصبحت أكثر تعقيدًا وكلفة.

ومن هنا، فإن أي مبادرة سياسية لن تحقق أهدافها إذا اقتصرت على إعادة ترتيب السلطة، دون أن تتضمن برنامجًا اقتصاديًا وطنيًا للإنقاذ، يركز على إصلاح المالية العامة، ومكافحة الفساد، وتوحيد المؤسسات الاقتصادية، وإعادة بناء البنية التحتية، وتحفيز الاستثمار، وتنويع الاقتصاد، ووضع حد للاعتماد المطلق على النفط.

إن التحذيرات التي تصدر عن المؤسسات الدولية والخبراء الاقتصاديين لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها تشاؤمًا أو تدخلاً في الشأن الداخلي، بل باعتبارها مؤشرات تستوجب المراجعة. فالدول التي تمتلك الموارد وتغيب عنها السياسات الرشيدة قد تجد نفسها، مع مرور الوقت، أمام أزمات يصعب احتواؤها.

ولذلك، فإن أخطر ما يواجه ليبيا اليوم ليس نقص الثروة، بل استمرار إدارة الأزمة من دون مشروع وطني للإصلاح. وإذا لم تتحول الثروة إلى تنمية، والإيرادات إلى استثمار، والاحتياطيات إلى قوة اقتصادية حقيقية، فإن التقارير الدولية المقبلة قد لا تكتفي بالتحذير، بل ستتحدث عن أزمة أكثر عمقًا يصعب تداركها.

الآراء والوقائع والمحتوى المطروح هنا يعكس المؤلف فقط لا غير. عين ليبيا لا تتحمل أي مسؤولية.



إقرأ المزيد