اخبار ليبيا الان - 4/11/2026 4:54:24 PM - GMT (+2 )
ليبيا 24 انقسام مزمن يفقد طرابلس سيادتها على الحداد والداخل في المشهد الليبي المعقد، حيث تتلاشى حدود الدولة لصالح نفوذ التشكيلات المسلحةوتتقاطع المصالح الضيقة مع الإملاءات الخارجية، لم تعد الأزمة مجرد صراع على كرسي الحكمبقدر ما أصبحت أزمة وجود لدولة تئن تحت وطأة انهيار مؤسساتها. وبينما تتبارى الحكومةمنتهية الولاية برئاسة عبد الحميد الدبيبة والمجلس الرئاسي برئاسة محمد المنفي في إظهارسيطرتهما على مفاصل هشة من الإدارة، تكشف تحليلات متعمقة ووقائع ميدانية عن حقيقةمرة مفادها أن طرابلس تدور في حلقة مفرغة من الفوضى الخلاقة التي تخدم بقاء النخبةالحاكمة على حساب تلاشي السيادة الوطنية. فقدان السيادة وجذور الانقسام: دولة بلا حدود ولا قرار لا يمكن فصل التدهور الحاد في قدرة ليبيا على ضبط حدودها وإدارة ملفاتها السيادية عنالانقسام الذي يمزق جسد الدولة منذ سنوات. فكما يشير المحلل السياسي عبد الله الكبير، فإنجوهر المعضلة يكمن في ذلك الشلل الذي أصاب مؤسسات الدولة جراء ازدواجية السلطةوانتشار السلاح خارج إطار القانون. إن فقدان ليبيا لجزء مهم من سيادتها ليس قدراً محتوماً، بلهو نتيجة مباشرة لسياسات إقصاء وفشل في بناء توافق وطني حقيقي. فالحكومة التي تتخذ منالعاصمة مقراً لها، والتي انتهت ولايتها القانونية والأخلاقية وفقاً لخارطة الطريق، تتصرف اليومككيان منعزل يسعى لشرعنة بقائه عبر أدوات المال العام والتوظيف السياسي للإنفاق الحكومي،بينما يقف المجلس الرئاسي عاجزاً عن أداء مهامه في التوحيد والمصالحة، منشغلاً بصراع خفيعلى الصلاحيات الشكلية مع السلطة التنفيذية في طرابلس. ويبرز ملف الهجرة غير النظامية كشاهد حي على هذا الفشل الذريع. فبدلاً من أن تكون ليبيادولة قادرة على تنظيم حدودها وفق تشريعات وطنية وسيادة كاملة، تحولت إلى مجرد ساحةلعبور المهاجرين ومعسكر احتجاز تديره الميليشيات تحت سمع وبصر حكومة غير مكتملةالأركان. والتحريض الذي تشهده بعض وسائل التواصل الاجتماعي وما نتج عنه من اعتداءاتعلى المهاجرين في مدن ليبية، هو انعكاس خطير لغياب خطاب الدولة الرسمي المسؤولوتقاعس الأجهزة الأمنية عن فرض هيبة القانون. إن الترويج لما يسمى بـ “سردية التوطين”وتغيير الهوية الديموغرافية، في غياب إعلام وطني رصين، ليس سوى دخان يهدف إلى صرفالأنظار عن العجز الكارثي للحكومة منتهية الولاية في إدارة هذا الملف الحساس والتعامل معهوفق الأطر الإنسانية والقانونية الدولية. فبدلاً من رفع التقارير الدورية باحترافية إلى المنظماتالدولية للحصول على الدعم والخبرات، نرى تخبطاً يتراوح بين الإنكار تارة واستغلال الملف كأداةابتزاز سياسي خارجي تارة أخرى. ميزان الدولة المختل: غياب الحوكمة كاستراتيجية بقاء لا ترتبط الأزمة الليبية بنقص الموارد، فاحتياطيات النقد الأجنبي وعائدات النفط كفيلة ببناء دولةحديثة ومستقرة. لكن الجوهر يكمن، كما يشير المحلل فضيل الأمين، في اختلال “ميزانالدولة” وغياب الحوكمة العادلة. إن الفكرة السائدة بأن الحل يكمن في اقتسام جديد للسلطةبين الأطراف المتنازعة هي فكرة قاصرة ومضللة. فما تحتاجه ليبيا هو إعادة ضبط مؤسساتالدولة على أسس متكاملة من العدالة في توزيع الموارد، وهو أمر تغيب عنه حكومة الدبيبةتماماً. فالإنفاق الحكومي يبدو موجهاً بشكل كبير لشراء الولاءات وتمويل كيانات موازية لضمانالاستمرار في السلطة، لا لبناء بنية تحتية متينة أو توفير خدمات أساسية للمواطن. ويشرح أستاذ الاقتصاد حلمي القماطي المعضلة من زاوية اقتصادية تكشف فداحة الوضع. ففي غياب سعر صرف واقعي وقوانين واضحة ورقابة فعلية، تحول التسعير في السوق الليبيةإلى عملية مبنية على الخوف والمضاربة لا على التكلفة والربح العادل. “حكومة الفسادالدلوعة”، كما وصفها عميد بلدية تاجوراء السابق حسين بن عطية، تقف عاجزة تماماً عن تطبيقأي تسعير علمي لأنها تفتقر إلى أبسط مقومات الدولة، وهي القدرة على فرض القانون. إن فشلالحكومة في حساب التكلفة الحقيقية واعتماد سعر صرف موحد يقود إلى اختفاء السلع وظهورالسوق السوداء وارتفاع الأسعار بشكل جنوني، وهو ما يدفع التجار إلى ما وصفه القماطي بـ“الربح الجشع” نتيجة لغياب الردع الرسمي. وبدلاً من أن تتدخل الدولة كحكم عادل، تحولتإلى طرف غائب، مما حول حياة المواطن الليبي اليومية إلى معاناة مستمرة مع الغلاء وانعدامالقوة الشرائية. صراع الأجنحة: من يقصي من في دهاليز السلطة الفارغة؟ بعيداً عن هموم المواطن ومعارك السيادة والاقتصاد، يدور في دهاليز طرابلس صراع خفي لكنهشرس بين قطبي السلطة المنقسمة: عبد الحميد الدبيبة ومحمد المنفي. هذا الصراع، الذيكشف عنه الدبلوماسي السابق محمد شعبان بتفاصيل إقالة سفير البلاد لدى القاهرة ومندوبهابالجامعة العربية مطلب ثابت، يؤكد أن المعركة الحقيقية ليست على مصلحة الدولة بل علىالنفوذ والمصالح الضيقة. فإطاحة الدبيبة بسفير مقرب من المنفي ليست مجرد إجراء إداريروتيني، بل هي ضربة في عمق الصراع على تمثيل ليبيا في الخارج وعلى من يملك شرعية تكليفالسفراء وإدارة البعثات الدبلوماسية. وبينما يصف شعبان حال المنفي بأنه “يترنح ويفقد جميعحلفائه بعد ضربات الدبيبة”، يتجاهل الطرفان معاً أن هذا الصراع العبثي يزيد من عزلة ليبياالدولية ويضعف موقفها التفاوضي أمام القوى الكبرى. ويؤكد عضو مجلس الدولة الاستشاري سعد بن شرادة هذه الحقيقة المرة بقوله إن الخلاف لميعد خافياً على أحد، لكنه للأسف “صراع على النفوذ والمصالح، لا على مصلحة الدولة”. فالمعركة تحتدم حول من يكلف الوزراء ومن يمثل الدولة في المحافل الدولية، بينما لا نسمع أياختلاف جوهري حول مشروع إصلاح اقتصادي حقيقي ينقذ المواطن من براثن الفقر والتضخم،ولا أي مبادرة جادة لاستعادة سيادة الدولة من الميليشيات التي تسيطر على الأرض والقرار. إنهذا الصراع المحموم على كراسي وهمية في دولة غير موجودة فعلياً يكشف أن من يتصدرونالمشهد هم جزء من المشكلة لا الحل. دوامة النخب وإعادة الإنتاج: هل تصنع الأزمات قادة أم تعيد تدوير الفاشلين؟ في تحليله، يطرح المحلل السياسي حسام محمود الفنيش سؤالاً وجودياً يلامس جوهر الأزمةالليبية: “هل تصنع الأزمات قادة جدداً أم تعيد إنتاج النخب ذاتها بأشكال مختلفة؟”. الواقعالليبي يجيب بمرارة على هذا السؤال. فما يحدث في ليبيا ليس فراغاً سياسياً، بل هو إعادة ترتيبمستمرة داخل الدائرة المغلقة نفسها. تتشكل التحالفات الهشة لتتهاوى بعد أسابيع، وتتبدلالأدوار بين شخصيات لم تقدم طيلة سنوات ما يثبت قدرتها على كسر الجمود. المشكلة، كمايوضح الفنيش، ليست في الأشخاص وحدهم، بل في البيئة السياسية المسمومة التي تفرضقيوداً تجعل من المستحيل ظهور قيادة مختلفة. إن هشاشة الشرعية التي يعاني منها كل منالدبيبة والمنفي، وتعقيد التوازنات القبلية والجهوية، والأهم من ذلك كله تأثير التدخلاتالخارجية التي ترى في هذا الانقسام فرصة لتمرير أجنداتها، كلها عوامل تحول من يتصدرالمشهد من قائد مفترض إلى مجرد مدير لأزمة باقية. ويتسق هذا التحليل مع ما يراه المحلل فيصل بو الرايقة من أن ما يجري لم يعد مجرد حراكمتفرق، بل هو مسار واحد تتقاطع فيه الترتيبات العسكرية مع التفاهمات المالية. فالمناوراتالعسكرية في سرت والدفع نحو توحيد الميزانية تحت مظلة مشروع خارجي توحي بأن الأطرافالدولية الفاعلة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، تسعى عملياً إلى إعادة تشكيل مركز القرار فيليبيا ودفع البلاد نحو توحيد الجهاز التنفيذي، ولكن تحت مظلة أمنية ومالية جديدة لا يبدو أنالدبيبة أو المنفي سيكونان جزءاً من مستقبلها. وهذا المسار يفسر بشكل أو بآخر حالة التخبطوالبحث عن حلفاء جدد لدى الطرفين. فبينما يرى المحلل أحمد العبود أن مبادرات مثل مبادرة“مسعد بولس” تبدو الأقرب للواقعية في ظل فشل البعثة الأممية وخارطتها، يظل السؤالمطروحاً حول قدرة هذه المبادرات على إحداث اختراق حقيقي في جدار الانسداد السياسيالليبي السميك. إن استمرار نفس القواعد والنخب ذاتها لن يؤدي إلا إلى إعادة إنتاج النتائج الكارثية عينها. ليبيا لاتعاني من نقص في من يتصدرون المشهد من أمثال الدبيبة والمنفي وخصومهم، بل تعاني منفقر مدقع في الشخصيات التي تمتلك القدرة والشجاعة على تغيير قواعد اللعبة. فالقائدالحقيقي لا يولد من قلب الأزمة التي يساهم في استدامتها، بل من القدرة على إنهائها وكسرالحلقة المفرغة التي تعيد إنتاج الفشل والفوضى. وحتى ذلك الحين، سيبقى الليبيون يدفعونثمن صراع الأجنحة وغياب الدولة، في مشهد يبدو أن نهايته ليست قريبة في ظل استمرارحكومة بلا ولاية ومجلس رئاسي بلا صلاحيات، ووطن ينتظر أن يستعيد “ميزانه” المفقود يمكن قراءة الخبر من المصدر من هنا
The post في عمق الأزمة الليبية.. حكومة منتهية الولاية وصراع أجنحة يعمق جراح دولة بلا ميزان appeared first on اخبار ليبيا.
إقرأ المزيد


